• الأحد 23 ذي الحجة 1437هـ - 25 سبتمبر 2016م

محمد السماك

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

التمزق العربي.. ونووية إسرائيل

تاريخ النشر: الجمعة 23 سبتمبر 2016

في عام 1963 أقامت إسرائيل في صحراء النقب المحتلة مصنعاً للنسيج. ولكن سرعان ما تبين أن هذا المصنع كان مفاعلاً نووياً قدمته فرنسا. وقد أنتج هذا المفاعل حتى الآن ما بين 80 و200 رأس نووي، كما يقدر الخبراء. وعلى رغم ذلك لم تعترف إسرائيل رسمياً حتى الآن بأنها تملك ترسانة نووية، إلا أنها ترفض الانضمام إلى المعاهدة الدولية التي تنص على الحد من انتشار الأسلحة النووية.

مصنع النسيج «مفاعل ديمونا» بدأ يتشقق. فبعد أن أجري عليه كشف بالأشعة فوق الصوتية، تبين أنه مصاب بنحو 1537 تصدعاً وتشققاً، مما بات يشكل خطراً حقيقياً على السلامة العامة، ليس في صحراء النقب وحدها، بل في العمق الإسرائيلي، وفي الدول العربية الأخرى المجاورة.

يقدر عمر المفاعل النووي بنحو أربعين عاماً. لكن عمر المفاعل الإسرائيلي في «ديمونا» بلغ الآن 53 عاماً. وهو واحد من أقدم المفاعلات النووية في العالم المستمرة في العمل. ومن خلال الاعتراف بتدهور حالة هذا المفاعل وبالخطر الذي بات يشكله، تعترف إسرائيل ضمناً بأنها كانت على مدى الخمسين سنة الماضية تكذب على المجتمع العالمي عندما كانت تدّعي أنها لا تملك سلاحاً نووياً، وأنها ليست دولة نووية.

فالسلاح الذي أنتجته خلال هذه المدة يمكن إطلاقه بصواريخ متوسطة وبعيدة المدى. كما يمكن إسقاطه بالطائرات. ويمكن كذلك إطلاقه من أي من الغواصات الست التي قدمتها ألمانيا هبة لإسرائيل، في إطار التعويضات عن الهولوكوست!

ومنذ أن تولى ديفيد بن غوريون رئاسة الحكومة الإسرائيلية الأولى بعد عام 1948 اعتمد برنامجين متكاملين عسكرياً وسياسياً. البرنامج العسكري كان يقوم على إنتاج القوة النووية. وكان شريكه التنفيذي في ذلك الوقت هو شيمون بيريز. وقد تمكن بالفعل من الحصول على المفاعل الأول من فرنسا، واليورانيوم من الولايات المتحدة (بعض اليورانيوم سرق من المفاعل النووي في ضاحية نيويورك. وكان السارق يهودياً أميركياً حُكم عليه بالسجن إلا أن التدخلات السياسية أطلقت سراحه بعد أن قضى عقوبة سجن قصيرة).

أما البرنامج السياسي فيقوم على تجزئة العالم العربي إلى سلسلة من الدويلات الدينية والمذهبية والعنصرية المتصارعة. وكان شريكه التنفيذي هو موشيه شاريت وزير الخارجية في ذلك الوقت.

وكانت نظرية بن غوريون تقوم على أساس أن الأمن الاستراتيجي لإسرائيل يقوم على ركيزتي الردع النووي والتمزيق العربي.. وأن الركيزة الثانية هي بمثابة تدمير نووي غير منظور.

نجحت إسرائيل في تحقيق الأمرين، إنتاج السلاح النووي الذي لم تستعمله (وإن حاولت استعماله في عام 1973 بعد أن حققت القوات المصرية والسورية في الأسبوع الأول من حرب رمضان من ذلك العام تقدماً في جبهتي سيناء والجولان)، وتمزيق العالم العربي (على النحو الذي تعكسه الصراعات المتفجرة الحالية في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وقبل ذلك في السودان الذي انشطر إلى دولتين).

وفيما تتواصل عملية الانشطار والتمزق من خلال صناعة كيانات سياسية جديدة أو التشجيع على صناعتها، فإن إسرائيل تجد نفسها مضطرة لدفع ثمن صناعتها النووية. ذلك أن «مفاعل ديمونا» لم يعد صالحاً للعمل، ولا هو قابل للترميم. لقد أجريت عليه عدة عمليات ترقيع من الخارج، إلا أن المفاعل النووي ذاته لم يعد صالحاً. ويخشى أن تؤدي المكابرة في الاعتراف بهذا الأمر الواقع إلى انفجاره بعد أن تجاوز عمره الافتراضي بخمسة عشر عاماً. فالمفاعل لم يستخدم أبداً لإنتاج الطاقة الكهربائية.. ولكنه استخدم فقط للهدف الوحيد الذي أنشئ من أجله، وهو إنتاج السلاح النووي.

وفي عام 2018 ستوقف إسرائيل العمل بمفاعل نووي حصلت عليه من الولايات المتحدة في عام 1960. وهو مفاعل صغير الحجم إذا ما قورن بـ«مفاعل ديمونا» الذي حصلت عليه من فرنسا. ولكن بنجاح استراتيجية تمزيق العالم العربي، لا يبدو أن إسرائيل بحاجة إلى قوة نووية إضافة إلى ما تملكه اليوم (80 و200 رأس). لقد حقق بن غوريون أهدافه من خلال مصنع وهمي للنسيج.. ومن خلال تمزيق فعلي للعالم العربي!

لقد مُنع العالم العربي من امتلاك السلاح النووي (تدمير مفاعل تموز في العراق بالقصف الإسرائيلي)، فهل يُمنع أيضاً من إنقاذ وحدته وتضامنه؟

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف تقيم الأداء العربي في أولمبياد ريو؟

جيد
عادي
سيء