• السبت 29 ذي الحجة 1437هـ - 01 أكتوبر 2016م

حامد كرزاي.. رئيس وطني أم سياسي أناني؟

تاريخ النشر: الجمعة 23 سبتمبر 2016

عندما وصل حامد كرزاي للسلطة في أفغانستان، بمساعدة من الأميركيين بعد إسقاط نظام «طالبان»، احتفى به الغرب باعتباره نموذجاً لنوع جديد من الزعماء الأفغان الحداثيين، ذلك أنه لم يكن زعيم حزب يرأس آلاف المقاتلين، وإنما كان دبلوماسياً منفتحاً على العالم ويتحدث الإنجليزية ولغات أخرى. ومع أنه كان سليل قبيلة معروفة وذات شأن في أفغانستان، إلا أنه كان يعطي الانطباع بالترفع عن الصراعات السياسية العرقية في البلاد. لكن عندما غادر كرزاي السلطة في عام 2014، كان صبر الأميركيين عليه قد بلغ مبلغه بسبب انتقاداته العلنية والمتواصلة للأميركيين، الذين كان ينعتهم بـ«الشياطين» عندما يلتقي بالأفغان العاديين، كما كانت أفغانستان في فترة رئاسته واحدة من أكثر البلدان فساداً في العالم، وقد تمكن بعض أقربائه خلال فترة حكمه من الاغتناء وتكديس الثروات.

لكن، هل كان كرزاي رئيساً وطنياً يسعى لمد الجسور بين الأطياف المختلفة داخل بلاده، أم كان مجرد سياسي يجيد لعب لعبة السياسة في أفغانستان ولا يكترث لأن يذكره التاريخ باعتباره الأب المؤسس لأفغانستان الحديثة؟ أم أنه كان قليلاً من هذا وذاك معاً؟ وماذا عن الدور الذي لعبه شقيقاه أحمد ومحمود أثناء فترة حكمه؟ هل كان أحمد والي كرزاي، شقيقه الذي كان الحاكم الفعلي لجنوب أفغانستان، زعيماً اغتنى من تجارة المخدرات، مثلما قيل؟ أم أنه كان بمثابة اللحمة التي أبقت على الجنوب موحداً، مثلما يعتقد العديد من المسؤولين في الجيش الأميركي ووكالة الاستخبارات الأميركية الـ«سي آي إيه»؟

في كتاب «مملكة خاصة بهم»، نجح الكاتب والصحافي الأميركي جوشوا بارتلو في تقفي تاريخ الرئيس كرزاي وعائلته والنبش في المناطق المعتمة التي تنطوي عليها قصصهم، ومن خلالها سرد القصة الأكبر لأفغانستان، من مشاعر الحماس والتفاؤل التي كانت سائدة خلال السنوات الأولى بعد إسقاط «طالبان» إلى الفقر والفساد اللذين ما زالا يضربان أطنابهما في أفغانستان اليوم.

والواقع أن كرزاي لم يتورط في قضايا فساد ولم يسع للاستفادة من مليارات الدولارات من المساعدات التي تدفقت على أفغانستان خلال رئاسته، حيث عاش عيشة أقرب إلى الزهد والتعفف ورفض الكثير من الامتيازات التي يتيحها له منصبه. غير أن بارتلو يُظهر، بالمقابل، أن كرزاي كان متسامحاً مع جشع بعض أفراد عائلته الذين اغتنوا على نحو فاحش. كما تجاهلَ عملية التزوير الانتخابي الواسعة التي ساعدت على بقائه في السلطة. وهكذا، يبدو كرزاي شخصية متناقضة ومركبة: سياسي داهية نجح في الحفاظ على بلد مترامي الأطراف موحداً، وأشرف على أول عملية انتقال سياسي سلمية هناك منذ قرون، دون أن يسعى للاغتناء والإثراء الشخصي.

لكن بالنسبة للعديد من الدبلوماسيين والجنرالات الأميركيين، كان كرزاي زعيماً زئبقياً، بل كان مثيراً للغضب أحياناً، غير أنه من جهة أخرى كان الرئيس الأفغاني السابق مضطراً للتعاطي مع التقلبات الدائمة للسياسة الأميركية في أفغانستان. وهنا يشير بارتلو مثلاً إلى أنه حتى الوقت الذي غادر فيه كرزاي السلطة، كان قد «استمع لعروض عن العمليات العسكرية ألقاها عليه 12 قائداً من قوات (إيساف) ينتمون لسبعة بلدان مختلفة. كما كان قد تلقى رسائل الرؤساء الأميركيين من خمسة سفراء أميركيين». وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن كل الجنود والدبلوماسيين الأميركيين تقريباً كانوا يعملون في أفغانستان في نوبات تدوم فترة عام، تصبح الفكرة الشائعة عن حرب أفغانستان جد صحيحة: «أنها لم تكن حرباً دامت 10 سنوات، وإنم حربا مدتها سنة خيضت 10 مرات».

وعن الدور الذي لعبه أفراد عائلة كرزاي يكتب بارتلو أن شقيق كرزاي أحمد والي كان أهم زعيم في جنوب أفغانستان. ولما كانت هذه المنطقة هي معقل البشتون، فإن ذلك جعل من أحمد والي أحد أهم الساسة في البلاد. لذلك فقد تمتع بوضع اعتباري مهم كفل له مكاناً على قوائم رواتب الـ«سي آي إيه». غير أن شائعات كثيرة كانت تفيد أيضاً بأنه أحد المستفيدين من تجارة الهيروين التي تُعتبر أنجح صادرات أفغانستان القليلة، لكن بارتلو يدحض هذه الفكرة، كما أن تحقيقات الجيش الأميركي في هذه الادعاءات انتهت إلى عدم وجود ما يؤكد صحة هذه الشائعات.

ولا شك في أنه عندما تقلد كرزاي زعامة أفغانستان، تولى واحدة من أصعب الوظائف في العالم. فعلى مدى قرون، كان الزعماء الأفغان الذين سبقوه يغادرون السلطة إما على نعوش أو يضطرون للفرار والعيش في المنافي. أما كرزاي فقد نجح في تسليم السلطة لخلفه أشرف غاني من دون إراقة دماء، وهذا بحد ذاته يعد إنجازاً كبيراً يُحسب له، كما أنه نجح في ثني الفصائل العرقية الأفغانية المتصارعة عن الزج بالبلاد في أتون حرب أهلية جديدة على غرار تلك التي عصفت بها في منتصف التسعينيات.

لكن في مقابل هذه الصورة هناك صورة أقل إشراقاً يرسمها بارتلو لكرزاي، صورة رئيس ساهم في ثقافة ينتشر فيها تزوير الانتخابات، وبالتالي فإن سجله كرئيس هو سجل متفاوت. ذلك أنه، من جهة، كان بالفعل بمثابة أب مؤسس لأفغانستان جديدة، حيث استطاع إلى حد ما جمع الأفغان على كلمة واحدة وإنجاح عملية نقل سلمية للسلطة، لكنه من ناحية أخرى، كان مجرد سياسي آخر يختار في كثير من الأحيان غض الطرف عندما كانت النخبة تنهب البلاد وبعض أعضاء عائلته يعبثون بالنظام الانتخابي.

محمد وقيف

الكتاب: مملكة خاصة بهم.. عائلة كرزاي والكارثة الأفغانية

المؤلف: جوشوا بارتلو

الناشر: نوف

تاريخ النشر: 2016

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف تقيم الأداء العربي في أولمبياد ريو؟

جيد
عادي
سيء