مذكرات «جيتس»: صعوبة الإنجاز بين إدارتين

تاريخ النشر: الجمعة 10 يناير 2014

بعد أربع سنوات ونصف السنة قضاها وزير الدفاع السابق، روبرت جيتس، في منصبه، متحملاً المسؤولية الجسيمة إبان حربين، ومنتقلا بين إدارتي بوش وأوباما، ورغم تحفظه وهدوئه اللذين طبعا مسيرته في وزارة الدفاع، قرر جيتس التخلي عن تحفظه والخروج إلى العلن بمذكراته الصادرة مؤخراً بعنوان «الواجب... مذكرات وزير في الحرب»، والتي سعى من خلالها إلى تسليط الضوء على جزء من الفترة التي قضاها وزيراً للدفاع، معلناً مواقفه إزاء قضايا مثل حربي أفغانستان والعراق، والعلاقة مع البيت الأبيض أثناء عمله مع بوش وأوباما، فضلا عن تعامله مع الكونجرس، ومقارنته بين رئيسين مختلفين، وأخيراً تقييمه للصعوبات المرتبطة بممارسة الواجب والتحديات التي يتعين على أميركا مواجهتها.

وإذا كان جيتس قد حافظ على هدوئه طيلة توليه منصب وزير الدفاع، وحرصه على تفادي المواقف العلنية والتصريحات المنتقدة، فإنه في مذكراته لم يتردد في التعبير عن آرائه الشخصية ومواقفه الذاتية إزاء بعض القضايا. ولعل أول ما يشير إليه وزير الدفاع السابق باعتباره مبعثاً للإحباط والاستياء، الطريقة التي يتعامل بها الكونجرس مع أعضاء السلطة التنفيذية، لاسيما خلال جلسات الاستماع التي تعقدها اللجان التشريعية المختصة.

لكن، وفيما عدا العلاقة المتوترة أحياناً بين الكونجرس والبيت الأبيض، والتعامل المهين أحياناً للمشرعين مع الوزراء، هناك أيضاً «صعوبة الإنجاز»، يقول جيتس منطلقاً من تجربته الشخصية لدى دخوله البنتاجون وتوليه مهامه في 2006، حيث وجد نفسه أمام حربين واحدة في العراق وأخرى في أفغانستان، والحربان معاً تنتظران قرارات حاسمة ومراجعات مستمرة لتقييم الوضع الميداني وتعديل السياسات لتتناسب والمعطيات الموضوعية. إلا أن ذلك كان صعباً وشاقاً في ظل جمود الجهاز الإداري للبنتاجون، والخلافات الداخلية بين أقطاب الإدارتين، حيث كان عليه تفادي الصراعات الحزبية داخل الكونجرس والتسامي على النظرة الضيقة والأنانية لبعض المشرعين، ثم مقاومة تلك الرغبة التي أبدتها إدارة أوباما منذ البداية لإخضاع كل الأمور لسيطرتها. ومع مرور الوقت بدأ هذا الاختلال الكبير في عمل المؤسسة الحاكمة في واشنطن بفروعها المختلفة يثقل كاهل جيتس، وخاصة وهو يحاول الحفاظ على هدوئه وحياده وابتعاده عن المواقف المتشنجة التي تسم عادة الفاعلين السياسيين في واشنطن؛ ويحدد جيتس أهدافه التي جاء على أساسها إلى وزارة الدفاع، فهو استُعين به من قبل إدارة بوش بعد سنوات كارثية قضاها سلفه رامسفيلد على رأس الوزارة والأخطاء التي بدأت تظهر وتتراكم في حربي العراق وأفغانستان، لكن جيتس يقول لأن الأهداف المتواضعة التي سطرها بدت صعبة وشبه مستحيلة.

في العراق سعى جيتس إلى تهدئة البلد حتى إذا غادرته القوات الأميركية لن ينظر إلى التدخل الأميركي والحرب التي شنتها على النظام السابق وكأنها هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة، أما في أفغانستان فكان الهدف تشكيل حكومة قوية في كابل تحظى بمصداقية الأفغان، وتدريب جيش قادر على منع رجوع «طالبان» وتحويل البلاد مرة أخرى إلى منصة لـ«القاعدة» تشن منها هجماتها على أميركا، وهي الأهداف التي يقول إن جزءاً منها تحقق في العراق على الأقل والباقي ما زال ينتظر في أفغانستان. وفيما يتعلق بسياسات أوباما في أفغانستان يوضح جيتس أن الفلسفة السياسية التي يمتح منها الرئيس قناعته لا تحبذ الحروب، وهو ما عكسته تعهداته للناخبين الأميركيين بإنهاء عقد كامل من الحروب الأميركية، إلا أنه وأمام ضغط القادة العسكريين في الميدان لم يجد أوباما بداً من إقرار خطة الزيادة في عديد القوات وإرسال تعزيزات إلى أفغانستان، وإن كان قد رهنها بسقف زمني حدده بنهاية 2014 كموعد للانسحاب، وبعدد قوات أقل من المطلوب. ورغم التقدم الذي أحزرته استراتيجية أوباما في أفغانستان، ينتقد جيتس الجانب المتفائل من الاستراتيجية باعتباره غير واقعي، فقد اعتمدت الإدارة على الشق الدبلوماسي لتعظيم المكاسب واعتبرت أنه مجرد تكثيف الحوار مع باكستان وتقديم المساعدات المدنية لكابول وتلبية احتياجات السكان، كفيل بإنجاح التواجد الأميركي هناك.

بيد أن جيتس يؤكد أنه إذا كان هناك من شيء تعلمه خلال وجوده في وزارة الدفاع، فهو أن التقدم يعتمد بالأساس على تأمين السكان، لذا يقول جيتس إنه عارض استراتيجية نائب الرئيس (بايدن) عندما اقترح تقليص القوات الأميركية في أفغانستان والتركيز فقط على عمليات محاربة الإرهاب من خلال القصف من بعيد. ولدى مقارنته بين بوش وأوباما، يشير كاتب المذكرات إلى أنه لم تتح له فرصة العمل طويلا مع بوش لأنه التحق بإدارته في سنتيها الأخيرتين، كما أن الأخطاء كانت قد عُرفت، فضلا عن خروج الرموز المعروفة من الإدارة. أما أوباما، ورغم إشادة جيتس بذكائه وقدراته الفكرية، فإنه يعيب عليه تدخل فريقه للأمن القومي في تحديد السياسات الخارجية على حساب وزارتي الدفاع والخارجية، وميل إدارته للتحكم في أدق التفاصيل، عازياً هذا النزوع إلى عدم ثقة أوباما في كبار الضباط وتهيبه من المؤسسة العسكرية.

زهير الكساب

-------

الكتاب: الواجب... مذكرات وزير في الحرب

المؤلف: روبرت جيتس

الناشر: نوف

تاريخ النشر: 2014

   
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل من المعقول مشاركة "الحوثيين" في حكم اليمن؟!

نعم
لا
لا أدري