د. حسن حنفي

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

التراث الثقافي والوعي بالآخر

تاريخ النشر: السبت 31 أغسطس 2013

الأنا والآخر واجهتان لعملة واحدة. الأنا الهوية، والآخر الغيرية ويتضح ذلك من تاريخ الأديان والثقافات. المسيحية مغايرة لليهودية، والإسلام مغاير لليهودية والمسيحية. البوذية في الهند مغايرة للهندوسية. وفي الثقافات كانت الثقافة الإسلامية الناشئة تمثل الأنا، والترجمات عن اليونان والرومان غرباً والفرس والهند شرقاً تمثل الآخر. وعندما بدأت الترجمات المعاكسة من العربية إلى اللاتينية مباشرة أو عبر العبرية في الأندلس وجنوب إيطاليا وصقلية وبيزنطة أصبحت الثقافة الإسلامية هي الآخر والثقافة اللاتينية هي الأنا. ولما تقدم الغرب الحديث استمر في تصور نفسه هو الأنا والحضارة الإسلامية هي الآخر. ولما بدأت الترجمات الحديثة عن الغرب إلى العربية منذ الطهطاوي أصبح الآخر من جديد هو الغرب نترجم منه منذ أكثر من مائتي عام. ومن يدري ماذا عن المستقبل الذي بدأت تباشيره من الآن؟ إذ يعتبر الغرب نفسه هو الأنا، والإسلام هو الآخر بعدما انتشر الإسلام في أوروبا عبر الهجرة أو بعد تحول بعض الأوروبيين البيض إلى الإسلام، وبعد أن أصبح الإسلام مصدر خوف وشوق لأوروبا في آن واحد. فلا يوجد أنا دائم أو آخر دائم. بل هي دورات حضارية يتبادل كل من الأنا والآخر فيها الدور. وهذا هو التاريخ. لا تصنعه حضارة واحدة بل تساهم في صنعه كل الحضارات.

2- والأنا والآخر يكتمل كل منهما بالآخر، في نموذج الوحدة والتعدد، وحوار الأديان، وحوار الحضارات، ومساهمة كل حضارة بعبقريتها في تطور الحضارة الإنسانية، اليونان بالعقل، والرومان بالقانون، والفرس بالسياسية، والهند بالتصوف، والإسلام بالعدل والمساواة. وكلها حقائق وضرورات إنسانية. الحقيقة ليست واحدة تضعها حضارة واحدة بل هي متعددة الجوانب. الحقيقة منظور Perspective. ولا يناقض كل منظور الآخر بل يتكامل معه مثل الكريستال. جماله وبريقه وأضواؤه في تعدد جوانبه، وانعكاسات ضوئه، واختلاف ألوانه. وهو واحد لا يتغير.

3- وفي القطيعة بين الأنا والآخر خطورة كبيرة. تقع الأنا في الماضوية والأصولية والعنف ضد الآخر، فالإنسان عدو ما يجهل، بدعوى الهوية والأصالة. وقد تقع في التغريب والتبعية للآخر باسم الحداثة والعصر. وقد تظل منقسمة على نفسها، مرة إلى الأنا فلا تستريح، ومرة إلى الآخر فلا تستريح. كل طرف يرضي نصفها وليس كلها. الهوية ترضي النفس ولا تكفي الجسد. والغيرية ترضي الجسد ولا تكفي النفس. وإذا وعت النخبة القضية فإن الجماهير تظل في هويتها، تكفير نخبتها. وتعتبرها وافدة إليها، غريبة عليها. تعصى توجيهها، وتأبى إرشادها. تسعى الجماهير لتحقيق مصالحها بالطريقة التي تريد فيصبح العالم هدفها، الثراء في الداخل أو الهجرة إلى الخارج. ويفرغ الوطن من مضمونه، ويعجز مثقفوه عن حمايته من التفسخ والانحلال. تصبح «المادية» هي هدف الأغلبية الصامتة التي لم يرضها اختيار الطرفين. ويصعب على نخبة ثالثة أن تجمع بين الحسنين، بين الأصالة والمعاصرة، بين الموروث والوافد، بين القديم والجديد، بين الأنا والآخر.

4- فما العمل؟ كيف يمكن تجديد التراث الثقافي وفي الوقت نفسه الوعي بالآخر قبولًا ورفضاً؟. يمكن ذلك بطريقتين: أولًا تجديد اللغة. فما يمنع من تواصل الفريقين هو اللغة ونوعية الألفاظ المستعملة من كل فريق، ألفاظ الشرع الأمر والنهي، والحلال والحرام، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد. من أنصار الهوية، والألفاظ الإنسانية العامة العقل والحرية والعدالة وحقوق الإنسان والمواطنة والديمقراطية والتقدم من أنصار الغيرية. فالألفاظ القديمة في ظاهرها لا تدل على المعاني الحديثة. والألفاظ الحديثة في ظاهرها لا تدل على مقابل لها في اللغة القديمة خاصة إذا كانت معربة مثل «ديمقراطية»، و«ليبرالية». وما أسهل استعمال المعاني القديمة بألفاظ جديدة لها معانٍ مطابقة مع بعض التأويل. وما أسهل استعمال المعاني الجديدة بألفاظ قديمة مع بعض الجهد في تحرير اللفظ القديم من معناه القديم. وللتخفيف من ذلك يتم اللجوء إلى الألفاظ في الاستعمال اليومي والاعتماد على المعاني الاشتقاقية التي تربط جذور الكلمات بالواقع الحسي. وأحياناً توجد ألفاظ مشتركة بين القديم والجديد لا تحتاج إلى عناء في تبادل اللفظ القديم والمعنى الجديد مثل لفظ العقل. بل إنه لفظ قرآني. وهو بداية الوعي الأوروبي الحديث. ولا حاجة إلى استعمال معاني لفظ العقل عند القدماء وأنواعه وقسمته إلى فاعل ومنفعل، ومستفاد وهيولاني، وبالفعل وبالقوة. يكفي أنه القدرة على التفكير والبرهان. ولا تحتاج مقاصد الشريعة الخمسة، وضع الشريعة ابتداء، إلى «تغير ألفاظها» مثل الحياة والعقل.

5- ثانياً: تبادل مستويات التحليل؟ إذ يمكن تحليل الهوية والغيرية على مستويين كلاهما ضروري. ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، المثال والواقع، المجرد والعيني، الصوري والمادي، الإلهي والإنساني، العام والخاص. الأول مستوى الأمر والنهي والواجب والمحرم والفريضة والفرعية. والثاني مستوى الممكن والرخصة وعدم تكليف ما لا يطاق. الأول مستوى النص والحرف والثاني مستوى الواقع والطاقة. الأول مستوى العموم الشامل لكل الناس، والثاني مستوى الخصوص الذي ينطبق على الفرد أو الجماعة الصغرى. الأول أصل قاعدة يقاس عليها، والثاني فرع يتطلب استنباط حكم واستقراء علة. الأول تنزيل وتقنين ومعيار الثواب والثاني تأويل واستثناء واعتبار. الأول يراعي الدنيا ويرجو المغفرة. فإذا غلب المستوى الأول تحجر تراث الأنا في معانٍ ثابتة منفصلة عن الحياة وكأنها معادلات رياضية وإذا غلب المستوى الثاني تجدد تراث الأنا وأصبح لصيقاً بالحياة. يشعر به كل إنسان بوجدانه وبداهته.

6- وبتطلب تجديد التراث الثقافي الوعي بالتمايز بين الأنا والآخر، بين التراث والغير في علاقة دائرية متبادلة دون تحديد ما الشارط وما المشروط. هل تجديد التراث الثقافي هو شرط الوعي بالآخر أم أن الوعي بالتمايز بين الأنا والآخر هو شرط تجديد تراث الأنا؟ وإذا كان منطق الهوية يسبق منطق الاختلاف فإن تجديد تراث الأنا يسبق التمايز مع الآخر، والوعي به يسبق الوعي بالتمايز معه. وبالتالي تنتهي علاقة التلميذ بالمعلم، والمبدع بالناقل، والمتطور بالنامي، والأدنى بالأعلى لصالح علاقة متكافئة بين طرفين تقوم على الأخذ والعطاء، وعلى التعليم والتعلم، وعلى تبادل الخبرات وتعدد النماذج. تتحول العلاقة الرأسية إلى علاقة أفقية، من صراع الحضارات إلى حوار الحضارات، ومن الاستشراق الذي فيه الآخر ذاتاً والأنا موضوعاً إلى الاستغراب الذي يصبح فيه الأنا ذاتاً، والآخر موضوعًا. ويتطلب ذلك تحرر الأنا من عقدة النقص تجاه الآخر وتحرير الآخر من عقده العظمة تجاه الأنا. وينتهي منطق استعلاء الأنا وتشيؤ الآخر إلى منطق المساواة بين الاثنين في علاقة متبادلة بين الذوات.

7- وتنتهي علاقة الغلبة ومنطق القوة بين الأنا والآخر، الأنا مغلوب والآخر غالب أو الأنا غالب والآخر مغلوب، علاقة العدوان. ويتأكد التراكم المعرفي الذي يساهم فيه الجميع، ويستمر التواصل التاريخي بين الحضارات. ويغلب منطق الإبداع على منطق القوة، ويسود منطق التفاهم على منطق الغلبة. القوة في المعرفة وليست في العضلات.

8- ويبدأ عصر يسوده السلام والتنمية والتعاون المشترك والكفاح ضد ما يهدد البشرية في وجودها وبقائها، الفقر والجوع والتصحر والمرض، وتأكيد وحدة البشرية الخالية من العنصرية والطائفية والتعصب. فتعيش البشرية في عالم واحد بلا حدود ثقافية أو حضارية حتى ولو تباينت فيما بينها في مراحل التاريخ. فما أنفق على الحروب والتسلح والعدوان يكفي لإطعام الجائعين، وعلاج المرضى، وتعليم الأميين، وري العطشى، وإيواء المشردين، وإلباس العرايا. فمآسي البشرية مفتعلة من صنع الإنسان نتيجة لسوء توزيع الإنفاق الخارجي على الحروب أو سوء التوزيع الداخلي للثروات. وكما لاحظ غاندي من قبل: في الأرض ما يكفي كل الناس. وفي الأرض ما لا يكفي لجشع إنسان واحد.

   
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تعتقد بأن استبدال المالكي بالعبادي هو بداية لعودة الاستقرار إلى العراق؟

نعم
لا
لا أدري