د. أكمل عبد الحكيم

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

مقاييس الغبطة واقتصادات السعادة

تاريخ النشر: الإثنين 25 فبراير 2013

تعرف السعادة على أنها حالة عقلية أو عاطفية، من الإحساس الإيجابي المتميز بمشاعر الغبطة، التي قد تتراوح ما بين مجرد الرضا والقناعة، وبين الشعور الغامر بالبهجة الشديدة. وهذا التعريف على بساطته، لا يعبر بشكل كامل عن المحاولات العديدة لتفسير معنى ومغزى ومفهوم السعادة، سواء من المنطلق البيولوجي البحت، أو من المنطلق الديني العقائدي، أو الفلسفي، أو النفسي، وهي المنطلقات التي حاولت جميعها تعريف مصدر السعادة، وكيفية الحصول على المزيد منها، وسبل الحفاظ عليها بأكبر قدر ممكن، ولأطول فترة. وهذه الأهداف جميعها، أصبحت مؤخراً تخضع للبحث العلمي الحديث، ضمن تخصص خاص في علم النفس، يعرف بعلم النفس الإيجابي (positive psychology)، الذي يسعى إلى جعل الحياة الإنسانية أكثر متعة.

وبعيداً عن المنظورين العقائدي والفلسفي، واللذين لا يعتبران السعادة مجرد شعور وإحساس، وإنما طريقة وأسلوباً، يهدفان إلى أن يحيا الإنسان حياته بشكل فاضل إيجابي، مفيد للذات، وللآخرين، وللمجتمع برمته، وبخلاف النظرة البيولوجية للسعادة على أنها عملية كيميائية ينخرط فيها عدد من الهرمونات والموصلات العصبية، أدى المنهج العلمي في دراسة السعادة بجميع جوانبها إلى ظهور مجال جديد نوعاً ما، هو مجال اقتصادات السعادة (economics of happiness).

وهذا المجال الذي ينبثق أساساً من علم الاقتصاد، يعتمد أيضاً على مبادئ علم النفس، وعلى نظريات علم الاجتماع، ويُعنى بالدراسة النظرية والكمية للآثار الاقتصادية الإيجابية والسلبية للسعادة، بالإضافة إلى الجوانب الأخرى المتعلقة والمرتبطة بها، مثل نوعية الحياة، ومدى الرضا، ومقدار الرفاهية. وعلى رغم أن هذا المجال قد شهد تطوراً هائلًا منذ نهايات القرن العشرين، إلا أن الفكرة بأن سعادة الأفراد هي شيء ضروري وأساسي لرفاهية وتوازن المجتمع ككل ليست بالفكرة الجديدة. فعلى سبيل المثال، أدرج الكثير من الفلاسفة والاقتصاديين -بداية من الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو- السعادة كمحور رئيسي في أعمالهم، بينما وضع الرئيس الأميركي الثالث "توماس جيفرسون" وهو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، السعادة على قدم المساواة مع الحياة والحرية، في الجزء الثاني من إعلان الاستقلال الأميركي، من خلال العبارة الشهيرة التي تنص على أن "جميع الناس خلقوا سواسية، ووهبوا من خالقهم حقوقاً لا تخضع للتفاوض، من بينها الحق في الحياة، وفي الحرية، والحق في السعي للسعادة". وعلى نفس المنوال، روج الفيلسوف والمصلح الاجتماعي البريطاني "جيرمي بنتام" المعاصر لجيفرسون، فكرة أن السياسات العامة والحكومية المتبعة، يجب أن يكون هدفها هو بلوغ أفراد المجتمع الحد الأقصى من السعادة، بل إن "بنتام" حاول وضع مقياس للغبطة، يمكن من خلاله قياس مدى أو صافي السعادة التي يتمتع بها الفرد والمجتمع ككل.

وبالفعل يوجد حالياً عدة مقاييس بديلة، لقياس مدى نجاح السياسات العامة والحكومية، بدلًا من المقاييس التقليدية المعتمدة على قوة الاقتصاد، مثل متوسط دخل الفرد، والناتج القومي الإجمالي، والناتج المحلي الإجمالي. وأحد مقاييس السعادة، المعروف بمقياس "إجمالي السعادة الوطنية" (Gross National Happiness)، كان قد طرحه ونفذه عام 1972، ملك دولة "بوتان" الصغيرة الواقعة شرق سلسلة جبال الهمالايا، وهو المقياس الذي تبناه وطبقته عدد من الدول، بالإضافة إلى عدد آخر من الدول في طريقها لتبنيه هي الأخرى. وإحدى تبعات هذا المقياس، هي تقليص حكومة "بوتان" لمساحات الغابات التي يمكن اقتطاع أشجارها، وهو تدبير على رغم أنه أدى إلى خفض الناتج القومي الإجمالي، إلا أنه رفع من مقدار سعادة الشعب البوتاني، الذي كان يصيبه الغم والحزن بسبب فقدان موطنه للأشجار والغابات.

وعلى المنوال نفسه، وكمثال على محاولات أحدث لاستخدام معايير مباشرة، لقياس نجاح السياسات العامة والحكومية في تحقيق سعادة ورفاهية الأفراد، أسس عالم النفس الاجتماعي البريطاني "آدريان وايت" ما يعرف بـ"مؤشر الرضا عن الحياة" (Satisfaction with Life Index) والذي يسعى لقياس مدى السعادة في دول العالم المختلفة، من خلال سؤال أفراد المجتمع بشكل مباشر عن مدى سعادتهم ورضاهم، بالإضافة إلى معايير ومقاييس التنمية الاجتماعية والاقتصادية الأخرى. وحسب حسابات "آدريان وايت"، يرتبط الشعور بالرضا والرفاهية أولاً بالصحة، وثانياً بمدى الثراء المادي، وثالثاً بتوافر التعليم الأساسي. وبالاعتماد على بيانات ومعلومات من عدة مصادر، منها منظمة اليونيسكو، ومنظمة الصحة العالمية، وتقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية، نجح هذا العالم البريطاني بالتعاون مع زملائه في نوفمبر عام 2006، في نشر أول خريطة سعادة للعالم (World Happiness Map).

وفي هذه الخريطة أو القائمة الشهيرة، احتلت الدنمارك، وسويسرا، والنمسا، المراتب الثلاث الأولى، بينما كانت دولة الإمارات العربية المتحدة في مقدمة الدول العربية على صعيد مؤشر الرضا عن الحياة، تليها عمان، والسعودية، وفي مرتبة متقدمة عن الولايات المتحدة، وأستراليا، وألمانيا، وبريطانيا.

ويؤكد هذا الاتجاه العلمي الحديث، من خلال الدراسات والأبحاث، ما نظر له الفلاسفة منذ قرون، وما نصت عليه الديانات والعقائد المختلفة منذ فجر التاريخ، بأن مدى النجاح في الحياة البشرية، لا يمكن قياسه فقط بمقدار الثراء، وإنما بشكل أفضل من خلال مقدار السعادة الشخصية، التي تعتمد إلى حد ما على الثراء المادي، ولكن بالإضافة إلى عوامل أخرى أيضاً ربما تكون ذات مساهمة أكبر في تحقيق السعادة، مثل التمتع بالصحة الجيدة، والإيمان العميق والرضا الروحاني، والاستقرار الأسري، وإيجابية التفاعل الاجتماعي اليومي، وخصوصاً مع الأهل والأصدقاء.

   
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تعتقد بأن الهدف الأساسي من غزو غزة هو إجهاض مشروع الدولة الفلسطينية؟

نعم
لا
لا أدري