إعصار "سانـــدي"... التداعيات الاقتصادية

تاريخ النشر: الجمعة 02 نوفمبر 2012

توقع المراقبون أن تمتد تأثيرات إعصار ساندي بشكل كبير إلى مختلف أوجه حياة الناس في أميركا وممتلكاتهم وهم محقون في ذلك، لكن أي قياس دقيق للوقع النهائي للإعصار على الاقتصاد -وهو اقتصاد ما زال يصارع للخروج من الركود وإن كان يملك من الإمكانات مع يؤهله للتغلب على مشاكله- ينطوي على صعوبات تتجاوز في تعقيدها مجرد حساب أموال شركات التأمين التي سيتلقاها المتضررون، أو الخسائر غير المؤمن عليها. ولكن من المعروف أن الكوارث الطبيعية تعيد ضخ الحياة في قطاع البناء والتشييد المتأزم حالياً، كما تُطلق استثمارات ذكية في قطاعات عديدة ترمم المناطق المتضررة، وفي نفس الوقت تحسن من مستوى معيشة السكان غير المتضررين. ولا شك أن الأميركيين في نهاية المطاف، وكما تعودوا في السابق، سيخرجون من الكارثة أكثر قوة وسيعيدون بناء ما دمرته العاصفة بسرعة أكبر وفاعلية أكثر؛ والحقيقة أن إعصار ساندي بالخصوص يصعب التعامل مع خسائره وتحديدها على وجه الدقة، فهو أولاً ضرب أميركا في وقت متأخر عن موسم الأعاصير المعتاد، كما طال الواجهتين الشمالية والجنوبية للساحل الشرقي لولايات المتحدة. وهو أيضاً يندرج في خانة الأعاصير ما بعد الاستوائية، ولذا يحمل في طياته دماراً كبيراً وخسائر مهمة. ولكن على رغم قوة الإعصار وخطورته، إلا أن توقيته خفف من خسائره، فقد أعقب بفترة وجيزة إعصار آيرين الذي ضرب أميركا في أغسطس 2011 وهو ما يفسر مستوى الاستعداد والترقب العاليين كما تبدى ذلك في الاستجابة السريعة من السلطات الفيدرالية والإنذار الذي أطلقته قبل وقت كافٍ عن اقتراب الإعصار من السواحل الأميركية، وهو الجهد الذي يستحق منا الإشادة بالنظر إلى دوره الفعال في التخفيف من الخسائر، خاصة تلك المتعلقة بالأرواح.

والتقديرات الأولية التي حاولت قياس خسائر إعصار "آيرين" وضعتها في حدود 7 مليارات دولار، ولكن في النهاية وصلت الخسائر إلى 15 مليار دولار متجاوزة بكثير التقديرات الأولية، بل إن هناك من يرى أن الخسائر بلغت 20 مليار دولار. ولذا من الصعب تحديد الخسائر بالدقة المرجوة، لاسيما مع إعصار، مثل ساندي الأكثر حدة وقدرة على إلحاق الضرر بالبنية التحتية للمدن الواقعة في طريقه، بالإضافة إلى ما سيلحق المباني والممتلكات من خسائر فادحة، خاصة تلك التي تقف مباشرة في طريق الإعصار. ثم هناك أيضاً الخسائر المرتبطة بتوقف الحركة التجارية وإقفال بورصة "وول ستريت" ليومين كاملين، حيث من المتوقع أن يفقد الاقتصاد المحلي للمدن المتضررة نحو 25 في المئة من قيمته الإجمالية. وحسب آخر التوقعات والتقديرات التي نقلتها التقارير الإعلامية، فإن خسائر ساندي قد تتراوح قيمتها بين 35 و45 مليار دولار.

ولكن علينا ألا نكتفي برصد الجانب السلبي للإعصار، بل يجب النظر أيضاً إلى بعض الإيجابيات التي يحملها معه، فإطلاق عملية إعادة البناء لإصلاح ما خربه الإعصار، لاسيما في ظل اقتصاد يعاني ارتفاع نسبة البطالة ووجود موارد غير مستغلة في قطاع البناء، سيطلق لا محالة موجة مهمة من الاستثمارات تصل، حسب الخبراء، إلى 15 و20 مليار دولار، ستأخذ شكل الإنفاق الخاص، بل إن عدداً أكبر من المواطنين سيستغلون الفرصة لإعادة ترميم منازلهم وتوسيعها، والنتيجة أن مخزون الرأسمال الذي سيبرز في المرحلة اللاحقة سيكون ذا فائدة عظيمة على الصعيدين الاقتصادي والإنتاجي.

ولنا أن نضرب مثلاً بمطعم كان يعاني في الفترة السابقة نقص الزبائن وكساداً في التجارة، فقرر مالكه استغلال أموال التأمين التي حصل عليها، بعدما دُمر المطعم لتغيير النشاط والانطلاق في مشروع آخر، ونفس المنطق ينسحب أيضاً على أصحاب المنازل المتاخمة للساحل، حيث سيتم استبدال المنازل الصغيرة التي بُنيت في السابق بأخرى أكبر بفضل أموال التأمين والاستثمارات الخاصة، وهو النشاط الذي سيعود بالنفع على القطاع السياحي المستفيد من بناء المنازل بالقرب من البحر. ولا يعني ذلك أن الخسائر لم تؤثر على حياة الناس، ولم تتسبب في اختلالات كبرى سيضطر المواطنون للتعامل معها لبعض الوقت، ولكن عندما تبدي الجهات الحكومية رغبة في مساعدة الناس لبناء منازلهم وبدء حياتهم من جديد، وعندما توفر الموارد الضرورية لذلك وينخرط القطاع الخاص، من خلال البنوك وشركات التأمين في هذه الجهود، فإن عملية التجديد الاقتصادي المصاحبة قد تحسن من المستوى المعيشي للأفراد أكثر مما كان عليه في السابق. ولنضف إلى ذلك عامل الإنفاق السخي الذي تستعد الحكومة لضخه بعد الإعصار، والذي يصل إلى ما بين 15 و20 مليار دولار، حيث من المتوقع أن تنتج الاستثمارات في مجال البناء والتشييد عائداً يفوق النفاقات الأولية لتبلغ، حسب الخبراء، ما بين 27 إلى 36 مليار دولار تستفيد منها الدورة الاقتصادية. ولا ننسى طبعاً الأموال التي ستأتي من القطاع الخاص، سواء الشركات، أو الأفراد الذين سيسارعون لترميم المنازل وإصلاح الشركات والممتلكات الخاصة التي تضررت خلال الإعصار، وكل ذلك سيصب في صالح الاقتصاد، وسيقلل أيضاً من معدل البطالة المرتفع. ولو انتظرنا لسنتين أو أكثر بقليل لتغير وجه المدن المنكوبة، ولاستبدلت المباني المهدمة والبنية التحتية المهترئة بأخرى أكثر تحملاً وقدرة على مقاومة غضب الطبيعة، هذا ناهيك عن الفوائد المصاحبة، مثل خلق فرص عمل جديدة وإنعاش السوق العقاري.

--------

بيتر موريسي

أستاذ الاقتصاد بجامعة ماريلاند الأميركية

--------

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

   
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تعتقد بأن تركيا ستضطر للمشاركة على الأرض في معركة العالم ضد "داعش"؟!

نعم
لا
لا أدري