د. أكمل عبد الحكيم

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

عوائد الاستثمار في الصحة النفسية

تاريخ النشر: الخميس 13 أكتوبر 2011

أكدت وزارة الصحة الإماراتية بداية الأسبوع الحالي رفع إدارة التشريعات الصحية بالوزارة لمشروع قانون الصحة النفسية إلى الجهات المختصة لإقراره قبل نهاية العام الجاري. ويركز مشروع القانون المقترح على صيانة حقوق المصابين بأمراض نفسية، وحفظ كرامة المريض النفسي، وممتلكاته، وتقديم كافة الخدمات له، وكذلك تعزيز الصحة النفسية في المجتمع، من خلال التأكيد على أن المريض النفسي، حاله كحال أي شخص آخر، يعاني من مرض جسدي، مما يستوجب تغيير النظرة الاجتماعية تجاهه.

ويأتي هذا الإعلان ليتوافق مع اليوم العالمي للصحة النفسية (World Mental Health Day)، الذي يحل كل عام في العاشر من شهر أكتوبر. وكان أول احتفال بهذا اليوم قد تم في عام 1992، كمبادرة من الجمعية الدولية للصحة النفسية (World Federation for Mental Health)، وهي منظمة دولية تضم في عضويتها أكثر من 150 دولة. وتستغل العديد من المنظمات والجهات الصحية هذا اليوم من كل عام، ومعها عشرات الآلاف من الناشطين والمتطوعين، لزيادة الوعي العام بالأمراض النفسية، وتأثيراتها الفادحة على حياة الملايين من الأشخاص حول العالم. وتذهب بعض الدول والمنظمات في تأكيدها على أهمية هذا الجانب من الصحة العامة إلى تنظيم الفعاليات على مدار أسبوع كامل، بدلًا من يوم واحد فقط.

وعلى الصعيد المحلي احتفل العديد من المؤسسات الصحية باليوم العالمي للصحة النفسية، مثل مدينة الشيخ خليفة الطبية بأبوظبي، التي نظمت حملة بهدف نشر الوعي والتثقيف الصحي لدى أفراد المجتمع عن أهمية الصحة النفسية. وقد أقيمت هذه الحملة من خلال جناح العلوم السلوكية، الذي يعد مرفقاً متكاملاً للطب النفسي، ويسعى لتوفير خدمات علاجية للمشاكل النفسية في دولة الإمارات العربية المتحدة. كما يقدم جناح العلوم السلوكية خدمات نفسية شاملة ومتطورة للبالغين الذين يشكلون القسم الأكبر من المرضى، إضافة إلى ست وحدات للتخصصات الفرعية تشتمل على وحدة الطب النفسي للأطفال والمراهقين، ووحدة لطب نفس المسنين، ووحدة علاج الإدمان، ووحدة للطب النفسي الشرعي، ووحدة الربط النفسي التي تقدم المساعدات النفسية للمستشفيات القريبة منها، أو لمرافق طبية أخرى، في حال كان أحد مرضاها يعاني من مشاكل نفسية. كما احتفلت منطقة رأس الخيمة الطبية متمثلة بقسم الأمراض النفسية في مستشفى عبيدالله، باليوم العالمي للصحة النفسية تحت شعار "الاستثمار في الصحة النفسية". ويهدف أيضاً هذا الاحتفال إلى تسليط الضوء على أهمية الصحة النفسية وتأثيرها الكبير في صحة ورفاهية الفرد، من منطلق التعريف الشامل للصحة على أنها حالة من الكمال البدني والعقلي والنفسي والاجتماعي وليست فقط الخلو من المرض. وقد تضمن الاحتفال قيام فريق العمل في قسم الأمراض النفسية بتقييم الصحة النفسية للمراجعين الراغبين باستخدام اختبارات القلق، والتوتر، والاكتئاب، بالإضافة إلى تنظيم محاضرات لطلبة المدارس الثانوية وتوزيع مطبوعات تثقيفية في هذا الشأن.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاضطرابات العقلية تعتبر من أكثر أنواع الأمراض انتشاراً على الإطلاق، حيث يقدر أن واحداً من كل ثلاثة من السكان في غالبية الدول، يشتكي من أعراض نوع واحد على الأقل من أنواع الاضطرابات العقلية خلال رحلة حياته، وهي نسبة تتفاوت بين الدول والمناطق المختلفة، لتصل أحياناً إلى 46 في المئة -نصف السكان تقريباً- في دولة مثل الولايات المتحدة، ولا يختلف الوضع كثيراً في بريطانيا حيث يقدر أن حوالي 17 مليون بريطاني يعانون من مشاكل تتعلق بالصحة العقلية والنفسية. ولذا من المنظور الدولي، وحسب منظمة الصحة العالمية، يوجد حاليّاً أكثر من 450 مليون مصاب باضطراب عقلي، بالإضافة إلى عدد أكبر من ذلك بكثير ممن يعانون من مشاكل عقلية أو نفسية.

وتعتبر اضطرابات القلق (Anxiety Disorders) أكثر الاضطرابات العقلية انتشاراً على الإطلاق، تليه في ذلك اضطرابات المزاج (Mood Disorders). وعلى رغم النسبة الكبيرة التي تشير إليها التقديرات الحالية، إلا أن البعض يعتقدون أنها أقل من الواقع، نتيجة أخطاء التشخيص وخصوصاً في الدول النامية التي كثيراً ما تفتقد أبسط أشكال الرعاية الصحية المختصة بالأمراض العقلية والنفسية، ونتيجة تجنب كثير من المصابين لطلب المساعدة الطبية بسبب النظرة السلبية التي لا زال يوصم بها المرضى النفسيون والعقليون، بما في ذلك بين شعوب الدول المتقدمة والغنية. وإذا ما وضعنا هذه العوامل في الاعتبار فربما يصل حينها معدل الإصابة بأحد الاضطرابات العقلية أو النفسية خلال مرحلة ما من رحلة الحياة إلى ما بين 65 في المئة إلى 85 في المئة، حسب بعض التقديرات.

وبناء على هذه الأرقام يمكن بسهولة إدراك فداحة الثمن الإنساني والاقتصادي للأمراض النفسية. فبخلاف التعاسة والآلام النفسية التي تتسبب فيها هذه الطائفة من الأمراض توجد أيضاً تكلفة اقتصادية ملموسة تتمثل في انخفاض الإنتاجية أو انعدامها تماماً أحياناً، حيث كثيراً ما يشكل المرض النفسي سبباً للإعاقة قصيرة المدى أو المزمنة، هذا بالإضافة إلى تكاليف ومصاريف العلاج، الذي غالباً ما يحتاج المريض للاستمرار فيه لفترة طويلة. وأمام هذا الوضع، ليس من الصعب إدراك كيف يمكن للاستثمار في مجال الصحة النفسية، على صعيدي الوقاية والعلاج، أن يحقق عائداً ملموساً في الجوانب الإنسانية والاقتصادية للمرضى ولجميع أفراد المجتمع.

   
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تعتقد بأن تركيا ستضطر للمشاركة على الأرض في معركة العالم ضد "داعش"؟!

نعم
لا
لا أدري
australia