• الأحـد 26 رجب 1438هـ - 23 أبريل 2017م

محمد عارف

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

وليمة العيد في المطبخ البغدادي

تاريخ النشر: الخميس 09 سبتمبر 2010

"إذا ضاقت بك الدنيا تذكر أيام عرسك". هذه "الوصفة القديمة" التي تعلمتها الباحثة العراقية نوال نصر الله من أمها تفتتح كتاب "حوليات مطابخ الخلفاء". عنوان الكتاب الصادر بالإنجليزية Annals of the Caliphs Kitchens، ويتضمن 615 وصفة من المطبخ البغدادي في العصر العباسي. إنه عرس حقيقي للطعام وأصوله وآدابه وفنونه وعلومه، زاخر بعشرات النوادر عن خبراء وهواة الطعام، وبينهم ملوك وأمراء، ووزراء، وعلماء، وأطباء، وندامى، وشعراء، وطهاة، وخدم، وجوارٍ، وخبازون، وطفيليون باحثون دوماً عن ولائم، وحتى صيادون يهزجون، إذ ينطلقون فجراً على ظهور الخيل لصيد بقر الوحشي: "لما بدا الصبح فقيل أسفرا، وفوّض الليل فقيل شمّرا. وأذكت الريح نسيماً عطراً، كأنما يوقد منه عنبرا. وظهرت وقربت أن تظهرا، وقال من كان أحدّ بصرا، لمن يليه جذلاً مستبشرا، أما ترى أما ترى أما ترى"!

وإذا كانت نكهة الخبز قد أيقظت مهد الحضارة البشرية في بلاد ما بين النهرين، فإن نكهة هذا الكتاب توقظ تاريخ البلد وأهله عبر العصور والإمبراطوريات والممالك التي تداولوها وتداولتهم. عدد صفحاته 920 صفحة، ويتكون من قسمين؛ "كتاب الطبيخ" ومؤلفه ابن سيّار الوّراق، والقسم الثاني مقدمة الباحثة المترجمة التي تحتل نصف الكتاب. وإذا كانت دار النشر الهولندية "بريل"، وهي من أعرق دور النشر الأكاديمية المختصة بالعالم العربي والإسلامي، تباهي بعمرها البالغ 325 عاماً، فعمر "كتاب الطبيخ" أكثر من ألف عام.

اكتشف مخطوطة "كتاب الطبيخ" وحققها المستشرق الفنلندي كاي أورنبري، وزميله اللبناني سحبان مروة، وأدركا أنها "جوهرة" المخطوطات في مكتبة جامعة هلسنكي. فالمؤلف المغمور، والذي لا يُعرف عنه سوى هذا الكتاب، يُعلّمنا كيف نقدم في صفحتين محتويات كتاب من 132 باباً مختلفاً اختلاف "فساد الطبيخ" و"ما يوافق الشباب والشيوخ من ألوان الطبخ"، و"طبايع الألبان وما يعمل منها في الأجبان"، و"الحبوب والخبز من الحنطة والرز"، و"ما يوافق المعدة العليلة من الأطعمة المأكولة"، و"الشوي في التنور وشي اللحم في القدور"، و"تدبير الماء المشروب بالثلج المضروب"، و"ما يأكل النصارى من الطعام المزور في الصيام". و"الطعام المزوّر" هو الطعام النباتي الذي يتحايل بطبخ "عجة من غير بيض"، و"لبن من غير ضرع"، وهريسة فيها "عوض الدسم الطحين من السمسم واللوز المدقوق". وحتى للذباب ذكر في الكتاب، حيث يتوعده الشاعر "ومطفلٌ أشرٌ يزيد لجاجة، بالطرد يطرده الكريم فيرجعُ. عاتبتُ فيه العنكبوت فأقسمت لي، أنها عن صيده لا تُقلعُ"! والخليفة هارون الرشيد لم يكن يعاقب إذا سقطت ذبابة في الطعام، لكنه يعاقب بالضرب إذا كانت أواني الطبخ غير نظيفة. وتمنيتُ لو أن كتب الطبخ الحديثة تعرض طرق البغداديين قبل ألف عام في غسل أواني الطعام، وهوسهم في التأكد من نظافتها.

وعندما يقول الوّراق عن كتابه "قد سمّيتُ هذا الكتاب الوُصلة إلى الحبيب ليستغني به عن علاج الطبيب"، ينبغي تصديقه. فعدد مراجعه التي أحصتها الباحثة أكثر من أربعين. ولا يكتفي الوّراق بذكر مكونات الوصفات وطرق طبخها، بل يوضح آثارها الصحية على القلب، أو البدن، أو الدم، أو المزاج. وعندما يصف عمل آلات الطبخ يذكر المعادن التي تتكون منها، ومواصفاتها حسب نظرية "الطبائع" السائدة آنذاك، حيث "النحاس أنثى حارة"، و"الحديد ذكر يابس"، و"الفخار بارد يابس". وفي الكتاب أبواب عدة مخصصة لأصول وآداب تناول الطعام، ومعظمها مرفق بحكايات أو أشعار، كوصف شخص شره: "له لقمة في الكف ولقمة بفيه، وأخرى قد رماها بناظره. ورابعة في الحلق قد لججت به، تحشرج من تردادها في حناجره"!

وفي باب "طبع الخلال وعمله من الصفصاف"، نقرأً: "سألت عمرا خلالا، فقال لي ما الخلالُ. فقلت عودٌ لطيف، للسن فيه جمال". و"الخلال" عيدان تنظيف الأسنان، ويصف الكتاب أنواع الخشب التي تصنع منها وطرق صنعها. وقد يحتاج بعضنا، وأنا منهم إلى مراجعة عاداته بعد قراءة نصائح الوّراق بتناول الفاكهة قبل الطعام، وليس بعده، و"الحركة قبل الطعام"، والنوم بعده على أن "لا يطيل في نومه فالإطالة تؤول إلى ضرر"، حسب الخليفة المنصور، باني مدينة بغداد. وفي العيد ولقاء الأحباب تنفع نصيحة الحسن بن علي، حفيد الرسول صلى الله عليه وسلم: "أطيلوا الجلوس على الموائد وأكثروا من الحديث، فإنها أوقات لا تحسب من أعماركم".

وفي الطعام "لا بد للحديث من أبازير" كما يقول المثل العربي القديم. و"الأبازير" تُسمى الآن "توابل"، وأطيبها الشعر. وفي الكتاب 86 قصيدة تماثل "الصور الفوتوغرافية في كتب الطبخ الحديثة"، حسب الباحث الأميركي غييرت فان غيلدر، مؤلف كتاب "الطعام في الأدب العربي الكلاسيكي". وأي صورة تضاهي وصف الشاعر ابن الرومي: "ما أنس لا أنس خبازاً مررت به، يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصرِ. ما بين رؤيتها في كفه كرة، وبين رؤيتها قوراء كالقمرِ"؟ وما أطيب الدعوة إلى الطعام شعراً: "متى تنشط للأكل فقد أصلحت الجونه. وقد زيّنها الطاهي لنا أحسن ما زينه. كما زيّن صوب الغيث للروض أفانينه. فجاءت وهي من أطيب ما يؤكل مشحونه. فمن جدي شويناه، وعصّبنا مصارينه. ونضّدنا عليه نعنع البقل وطرخونه. وفروج وبيض، إلى جانب زيتونه. وباذنجان بوران به نفسك مفتونه". وكيف لا تفتننا من تدعونا: "ألا يا من لمحزون نأى عن دار محزونه"، وتغرينا بصحن مشهيات يقدمه نادل "له شدّة ألفاظ وفي ألحاظه لينه. وقُمريّ يغنيك لحوناً غير ملحونه"؟

والمطبخ البغدادي، كالمجتمع البغدادي، عرس الأمم، لكنه مثله عرس عراقي قبل كل شيء. تكتشف ذلك الباحثة بفطرتها القصصية التي تستمزج علوم الإنسان "الأنثروبولوجيا" وعلوم السياسة "الجيوبوليتكا"، وهي الوصفة "السحرية" لفهم البلد ودرسه، ووصل الأسباب المتقطعة ما بين حضاراته المختلفة. تعثر الباحثة عليها عندما تقوم بما تسميه "العودة إلى المستقبل". ففي ثمانينيات القرن الماضي تُرجمت لأول مرة وصفات طبخ بابلية مكتوبة بالخط المسماري في رقيمات طينية. وكشفت الوصفات استمرارية تقاليد الطبخ البابلية، وصلة القربى بينها والمطبخ العباسي.

وكان سكان العراق الأصليون على علم بذلك دائماً. ورغم فقدان نفوذهم منذ سقوط إمبراطورية نبوخذ نصر وغزو الفرس، إلاّ أن الطبقة المتوسطة منهم حافظت على وعيها بهويتها الوطنية، ولعبت دوراً في نشر المعرفة الفكرية والعلمية، وفي حفز النهضة الثقافية العباسية. أبرز ممثليها ابن وحشية الذي عاش في القرن العاشر، وكان كمعظم علماء عصره موسوعياً يجمع بين علوم الكيمياء والفلك واللغات والزراعة. ويعبر ابن وحشية في كتابه "الفلاحة النبطية" عن حزنه لتجاهل معارف مواطنيه الموروثة من البابليين، واستيائه لاستحواذ الغزاة على ثمار معارفهم، ويورد وصفات عدة انتحلوها، وبينها طبق لا تخلو منه مائدة العيد، وتطُبخ فيه اللحوم بالخل والعسل والفواكه المجففة، وتسمى حالياً "القيسي"، أو "حامض حلو". وأصلحت الباحثة أخطاء مستشرقين جهلوا مساهمة عرب شبه الجزيرة العربية في فنون الطبخ. واستشهدت بالجاحظ الذي أورد وصفات شهية، كحلوى ارتبطت باسم عبدالله بن جدعان، وهو أحد شيوخ عشائر قريش، وكانت تسمى "سرطراط" تعبيراً عن لذة انزلاقها على اللسان!

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا