د. حسن حنفي

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

أدب السجال وفـن المناظـرة

تاريخ النشر: السبت 21 أغسطس 2010

المناظرة عادةً حوارٌ بين شخصين حول موضوع واحد من وجهتين مختلفتين من النظر لتحويل الأفكار إلى مواقف أشخاص، والمعاني المجردة إلى تجارب حية. ومن ثم قد تتحول المناظرة من الخاصة إلى العامة حتى يشارك فيها الجمهور العريض. فالموضوعات العلمية هي في حقيقتها معارك ثقافية. والمعارك الثقافية هي في حقيقتها مواقف حضارية. ولا يستطيع تدوين ذلك إلا العلماء المثقفون الذين يجمعون بين علم الخاصة وثقافة العامة، بين الفلسفة والأدب مثل أبي حيان التوحيدي أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء.

وقد روى أبو حيان عدة مناظرات من هذا النوع أشهرها المناظرة بين المنطق والنحو، بين متّى بن يونس وأبي سعيد السيرافي التي دونها مرتين: الأولى في صيغة مقتضبة في "المقابسات" والثانية في صيغة مطولة في "الإمتاع والمؤانسة". كما دون مناظرة بين الحساب والبلاغة أيهما أنفع دون تجسيد لهما في شخصيتين، الحساب كأحد فروع العلم الرياضي، والبلاغة أهم ما يميز الثقافة العربية. والمناظرة الثالثة بين النثر والشعر وأيهما أكثر أثراً في النفس وهو موضوع مثار في كتاب الشعر آخر الكتب المنطقية ولكن يدل أيضاً على التمايز بين ثقافتين، ثقافة النثر وثقافة الشعر. بل إن المناظرات تتم ليلا في الحلم، المناظرة منامية بين أبي سليمان وبين ابن العميد في مسائل من السماع الطبيعي عن قسمة الموجودات إلى خفي الذات خفي الفعل (عالم الميتافيزيقا)، وظاهر الذات ظاهر الفعل (الحرارة والبرودة)، وخفي الذات ظاهر الفعل (الطبيعة). وظاهر الذات خفي الفعل (الكواكب).

وتكشف المناظرة الأولى بوضوح بين المنطق والنحو أيضاً عن حوار بين الوافد والموروث. وهو حوار طبيعي ينشأ في كل عصر بين ثقافتين، الدخيلة والأصيلة، بين أنصار الثقافة العامة وأنصار الثقافة الخاصة، بين ثقافة غير العرب وثقافة العرب، بين علوم الأوائل وعلوم الأواخر، أو بين المتقدمين والمتأخرين. وهو نفس التقابل الموجود حاليّاً في ثقافتنا المعاصرة بين أنصار الثقافة الغربية وأنصار الثقافة الإسلامية. فقد كان اليونانيون قديماً يمثلون الغرب حديثاً، والسلف هم السلف قديماً وحديثاً. كان المنطق والفلسفة يمثلان علوم اليونان قديماً وأصبح العلم وتطبيقاته يمثلان الغرب حديثاً.

وبصرف النظر عن كيفية تدوين أبي حيان لهذه المناظرة، هل من نصوص أو مذكرات مدونة أو من الذاكرة واسترجاعها؟ هل ما دونه أبو حيان يطابق الواقع أم أن به قدراً من الخيال والإبداع الأدبي؟ هل كان أبو حيان شاهد عيان على المناظرة وأن تدوينه تسجيل لها أم أنها وقعت في مكان آخر ورواها الأدباء والظرفاء ثم جمعها أبو حيان وأعمل فيها خياله، أم أن أبا حيان تخيله معبِّراً عن صراع في ثقافة عصره؟ فإذا كان التاريخ مجرد حامل لمحمول ومثل لممثول، وسيلة لغاية، فما يهم هي البنية لا التاريخ، والفكرة لا حاملها.

ولما كانت المناظرة حواراً بين طرفين وجدلا بين خصمين فإن لكل طرف دفاعه عن موقفه وهجومه على الموقف الآخر. ومن ثم هناك أربعة أنواع من الحجج، اثنتان للمنطق واثنتان للنحو على النحو الآتي:

1- المنطق:

أ- دفاع المنطق عن نفسه ضد هجوم النحو عليه.

ب- هجوم المنطق على النحو.

2- النحو:

أ- دفاع النحو عن نفسه ضد هجوم المنطق عليه.

ب- هجوم النحو على المنطق.

والحقيقة أن النحو هو الذي بدأ بالهجوم على المنطق، فالموروث يدافع عن ثقافته ضد "غزو" الوافد. فالنحو هو البادئ بالهجوم والمنطق يتبع في الدفاع. ولما كان الهجوم إحدى وسائل الدفاع فإن المنطق أيضاً وهو بصدد الدفاع يهاجم النحو ولكنه هجوم ضعيف. فالمعركة من خلال طريقة تدوينها غير متكافئة بين الخصمين. النحو هو الأقوى والمنطق هو الأضعف.

ويمكن عرض المناظرة بطريقتين. الأولى تجميع كل مواقف متّى بن يونس حول أولوية المنطق على النحو في رؤية متسقة، وجمع كل مواقف السيرافي في أولوية النحو على المنطق في منظور واحد من أجل المقارنة بين موقفين كليين متجاورين أو متقابلين متعارضين أو متضادين. والثانية عرض كل من الموقفين في كل موضوع على حدة مثل اللفظ والمعنى، النقل، والعقل، الاكتساب، والطبع...الخ. موضوعاً وراء الآخر حتى يظهر التناظر والتحاور واختلاف الآراء حول الموضوعات من أجل إبراز الطابع الحجاجي. الطريقة الأولى تبين أهمية الموقف الكلي من الموضوعات الجزئية ويتوارى الِحجاج. والطريقة الثانية تبين أهمية الِحجاج ويتوارى الموضوع والموقف الكلي. ويمكن الجمع بين الطريقتين تجميع عدة موضوعات متشابهة ثم عرض الرأيين فيها عرضاً متسقاً مع بعض الاجتهادات المعاصرة تقوم على مقارنات داخل الحضارة الإسلامية وفي الذهن البيئة الثقافية المعاصرة والصلة بين اللغة والمنطق.

وتقع المناظرة في الليلة الثامنة من ليالي أبي حيان في "الإمتاع والمؤانسة" وهي أطول ليلة ثقافية. وبدأت بسؤال يهودي عن سهولة طريق الفلسفة وصعوبة طرق الفلاسفة، تطويلا وشكوكاً وربما عنتاً وسوء طباع، إتعاباً وحسداً، معيشة وكسباً دون حب حقيقي للحكمة والعلم. والسبب هو الإعجاب بالفلسفة والمنطق وإغراء الوافد بعيداً عن الموروث. فالسؤال من ممثل لثقافتين، الدخيل والأصيل. فقد كان النصارى نقلة العلم، من الوافد والموروث، وكان اليهود أيضاً كذلك بصورة أقل من اليونان وبصورة أكثر من الحضارات الأخرى خاصة العبرانية والشرق القديم.

حجة المنطق أنه الطريق إلى معرفة الحق في الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، واليقين من الشك. فهو آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وصالح المعنى من فاسده كالميزان الذي يوزن به الفكر، والمعيار الذي يقاس به الاستدلال.

وحجة النحو أن النظم المألوف والكلام المعروف هو الطريق إلى معرفة صحيح الكلام من فاسده إذا كان الحديث بالعربية. أما صلاح المعنى من فساده فيعرف بالعقل وليس بالمنطق. المنطق مجرد شكل وصياغة. إنما الحدس هو أداة المعرفة والتجربة المباشرة طريق إليها. وفهم الكلام بالقصد وليس بالمنطق، فالمعنى قصد أو القصد شعوري وليس عقليّاً، يعبر عنه في كلام تعرف قواعده بالنحو.

ثم يتحول الحوار من العلم إلى العالم، ومن الفكر إلى الشخص. المنطقي الفيلسوف لا يتطابق قوله مع عمله، ولا فكره مع سلوكه، ولا نظره مع فعله. أما النحوي اللغوي فإنه صوفي يعرف كلام الله، واللغة العربية لغة القرآن الكريم. يتفق قوله مع عمله، ونظره مع فعله وفكره مع سلوكه. وكلاهما في بيئة ثقافية تجعل مطابقة القول للعمل أساس التقوى وشرط الاجتهاد.

   
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تعتقد بأن تركيا ستضطر للمشاركة على الأرض في معركة العالم ضد "داعش"؟!

نعم
لا
لا أدري
australia