د. أكمل عبد الحكيم

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

غذاء الحوامل: مفاهيم شائعة... لكن خاطئة

تاريخ النشر: الإثنين 15 مارس 2010

يتعرض جسد المرأة أثناء فترة الحمل والولادة لتغيرات فسيولوجية وتشريحية شديدة وفريدة في نوعها، وهي التغيرات التي تترافق بزيادة في الطلب على المكونات الغذائية الأساسية والدقيقة، لاستكمال نمو الجنين، ومده بالعناصر الضرورية لصحته وسلامته. وهو ما يتطلب مراعاة المرأة لبعض القواعد والنصائح الأساسية للحصول على تغذية جيدة، وتجنب العديد من المعتقدات المضللة والمفاهيم الخاطئة. وأحد هذه المفاهيم، هو الاعتقاد الشائع بأن المرأة الحامل، يجب أن تتناول من الطعام ما يكفي لشخصين، هي وجنينها. وإن كانت الحقيقة هي أنه رغم كون المرأة تحتاج إلى سعرات حرارية إضافية أثناء الحمل، للحفاظ على صحتها وصحة الجنين، إلا أن هذا لا يعني أن تضاعف كمية ما تتناوله من غذاء. فالقاعدة العامة هي أن المرأة الحامل، تحتاج إلى 300 سعرة حرارية فقط أثناء حملها، زيادة على ما كانت تتناوله يومياً قبل الحمل. وبالنظر إلى أن بطاطا "أو بطاطس" واحدة مشوية، تحتوي على 120 سعرة حرارية، نستطيع أن ندرك أن زيادة هذا القدر من السعرات الحرارية يومياً لا يتطلب تناول الكثير من الغذاء، حيث تكفي ثلاث حبات من البطاطا المشوية مثلا، للحصول على السعرات الحرارية الإضافية.

وتعتبر هذه النصيحة ذات أهمية خاصة، لتجنب حدوث زيادة مفرطة في وزن المرأة أثناء الحمل، مما يعرض الأم والجنين لمخاطر صحية أثناء الحمل، وقد يصعب عليها بعد الولادة أن تتخلص منها، مما قد يعرضها لاحقاً لمضاعفات السمنة ومشاكلها الصحية. فعلى رغم أن من الطبيعي والمتوقع زيادة الوزن خلال الحمل، وبدرجة متفاوتة بين النساء، إلا أن التوصيات الطبية تشير إلى أن هذه الزيادة لا ينبغي أن تكون أكثر من 12 كيلوجراماً، للنساء اللواتي بدأن حملهن بأوزان طبيعية. وفي الوقت نفسه، قد يؤدي عدم حدوث زيادة كافية في الوزن، إلى مخاطر صحية جسيمة على الجنين. ولذا، لا يتعين على المرأة اتباع أية نظم للحمية أو الريجيم أثناء الحمل، بل يجب أن تستمر في تناول المقادير المعتدلة والطبيعية من جميع أنواع الغذاء. وذلك بسبب كون الكثير من نظم الحمية، بخلاف أنها تقلل السعرات الحرارية اليومية، تخفض بقدر كبير إحدى مجموعات الغذاء، مثل الكربوهيدرات، أو الدهون، أو البروتينات. وهو ما قد يؤدي إلى تعرض الجنين لنقص في إحدى تلك المجموعات الغذائية، أو لنقص في الفيتامينات والمعادن. هذا بالإضافة إلى أن تقليل السعرات الحرارية، يدفع الجسم لاستخدام مخزونه من الدهون لتعويض النقص، وهي العملية التي تنتج عنها مادة "الكيتون" في الدم. ومن المعروف أن تعرض الجنين للكيتون لفترات طويلة أثناء الحمل، قد يؤدي إلى إصابته بالتخلف العقلي.

هذا على صعيد الكميات والسعرات الحرارية، أما على صعيد النوعية والمغذيات الدقيقة، فتهدف التوصيات الطبية في هذا المجال إلى رفع المقادير اليومية من بعض الفيتامينات والأملاح، مثل فيتامين (B9)، والمعروف أيضاً بحمض الفوليك، الذي يكتسي أهمية بالغة في الوقاية ضد العيوب الخلقية التي تصيب الحبل الشوكي والعمود الفقري للجنين، وخصوصاً في المراحل المبكرة جداً من الحمل. ولذا على رغم تواجد هذا الفيتامين في عدة أنواع من الخضروات والفواكه، ومع أنه أصبح يضاف حالياً للعديد من حبوب الإفطار، فإن الأطباء لا زالوا يوصون بضرورة تناول المرأة الحامل لحمض الفوليك في شكل كبسولات، من خلال الإضافات الغذائية التي تباع في الصيدليات. ويكتسي عنصر الكالسيوم أيضاً أهمية مماثلة، نتيجة الاحتياجات الهائلة للجنين منه في فترة نموه داخل الرحم. حيث يؤدي نقص هذا العنصر إلى اضطرار جسم الأم لاستخدام المخزون الموجود في عظامها، ولذا ينصح بمراعاة زيادة المتناول منه يومياً. ومرة أخرى، على رغم توفر هذا العنصر في العديد من الأغذية، مثل الألبان ومنتجاتها، فإن بعض الأطباء ينصحون بتناوله في شكل إضافات غذائية أثناء الحمل.

وينطبق هذا الحديث إلى درجة كبيرة أيضاً على الأحماض الدهنية (أوميجا 3)، وهي عنصر غذائي مهم، وإن كان الجسم لا يستطيع إنتاجها داخلياً، ولذا لابد من الحصول عليها من مصدر غذائي خارجي. وتتوافر هذه الأحماض في بعض الأغذية، إلا أن الأسماك الدهنية تعتبر المصدر الرئيسي لها. وقد أظهرت الدراسات الطبية أن أطفال الأمهات اللواتي كن يتناولن كميات كبيرة من الأسماك أثناء الحمل، أصبحوا يتمتعون بقدرات أفضل على التخاطب والتواصل الاجتماعي، مقارنة بأقرانهم في نفس السن. وأظهرت الدراسات أيضاً وجود علاقة سلبية بين انخفاض محتوى غذاء الأم من "الأوميجا-3"، وبين انخفاض العديد من القدرات العصبية والحركية للأطفال. وحتى خلال الحمل نفسه، ثبت أن تناول الأم كميات كافية من الأسماك، يقلل من احتمالات ولادة طفل ناقص الوزن. وإن كان لابد من الاحتراس من تناول كميات كبيرة نسبياً من الأسماك، بسبب ما تحمله من خطر الحصول على كميات كبيرة من عنصر الزئبق السام الذي يؤثر سلباً على صحة الجنين. فالأسماك بطبيعتها تحمل مخزوناً من الزئبق في أجسادها، وخصوصاً تلك التي تتغذى على الأسماك الأصغر، حيث تلتهمها بما تحتويه من زئبق.

وبوجه عام، وبالإضافة إلى متابعة المرأة مع طبيب متخصص في أمراض النساء أثناء فترة الحمل، ينصح أيضاً باستشارة أخصائي تغذية، لما للتغذية في فترة ما قبل الحمل، وأثنائه، وبعد الولادة، من أهمية قصوى في الحفاظ على صحة الأم، والجنين، والطفل حديث الولادة، لضمان حمل آمن، وولادة طفل سليم.

د. أكمل عبدالحكيم

   
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تعتقد بأن تركيا ستضطر للمشاركة على الأرض في معركة العالم ضد "داعش"؟!

نعم
لا
لا أدري