هل يلقى عباس مصير عرفات؟
تاريخ النشر: الخميس 18 فبراير 2010أكثر من صعب هو وضع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في لحظة تضيق فيها الخيارات وتختلط الاتجاهات. فالقضية تكاد تتلاشى، والطريق إلى التسوية السلمية التي اعتقد طويلاً أنها ممكنة باتت مسدودة. لكن ما يجعل وضعه شديد الصعوبة في اللحظة الراهنة تحديداً هو الضغط الذي يزداد عليه لإطلاق مفاوضات جديدة مع إسرائيل دون وقف الاستيطان. فبعد أن كان أمله كبيراً في أن تتخذ الإدارة الأميركية موقفاً قوياً تجاه إسرائيل لحملها على التعامل بجدية مع الجهود السلمية، أصبح منتهى طموحه هو ألاَّ تصل الضغوط الأميركية عليه لدفعه باتجاه مفاوضات غير مجدية إلى المدى الذي يضعه أمام خيارين أحلاهما علقم. فبعد أن عجزت إدارة أوباما عن إقناع نتانياهو وحكومته بوقف الاستيطان قبل الشروع في مفاوضات جديدة لخلق أجواء ملائمة تساعد في إحراز تقدم، لم يعد أمامها إلا "إقناع" عباس بأن المفاوضات هي التي ستحسم قضية المستوطنات وغيرها من القضايا الخلافية. والمعضلة التي تواجه عباس الآن هي أن قبوله التفاوض بعد أن تشدد في الإصرار على وقف الاستيطان سيجعله في موقف بالغ الحرج ليس فقط في مواجهة حركة "حماس"، ولكن بين أنصاره ومؤيدي خطه السلمي أيضا.
لذلك يبدو الخيار الأكثر صواباً بالنسبة لعباس هو أن يواصل إصراره على موقفه، لأن تغيير هذا الموقف يحمَّله خسارة كبيرة في الساحة الفلسطينية، وعلى مستوى قطاع واسع في الرأي العام العربي. لكن المعضلة هي أن الإصرار على موقفه بشأن وقف الاستيطان قبل التفاوض قد يرتب، على مدى زمني أبعد، خسارة أخرى قد تكون فادحة بدورها إذا أدى إلى تغيير في سياسة الإدارة الأميركية تجاهه.وإذا صح ما قاله عباس، في لقاء مع عدد من رؤساء تحرير الصحف المصرية في القاهرة خلال زيارته الأخيرة، عن أنه رفض الموقف الأميركي تجاه قضية المصالحة الفلسطينية، فهذا يعني أن عدم قبول التفاوض قد يكون بمثابة بداية النهاية لـ"شهر العسل" في العلاقة بين سلطته وإدارة أوباما. فقد تحدث عباس عن أن حركة "فتح" وقَّعت الوثيقة المصرية للمصالحة الفلسطينية رغم الضغوط الأميركية التي تعرض لها: "قيل لنا إذا وقعتم فأنتم ستفرضون على أنفسكم حصاراً. وكنا أمام أمرين: إما القبول بهذا التهديد أو توقيع الوثيقة، وفضلنا التوقيع ثم فوجئنا بأن (حماس) هي التي رفضت". ورغم أن موقف حركة "حماس"، التي طالبت بتعديلات أو بتسجيل تحفظاتها على بعض بنود الورقة، أنقذ عباس من تبعات ذلك التهديد الأميركي الذي تحدث عنه، فالأرجح أن الأمر لم يمر دون أن يترك أثراً سلبياً في موقف واشنطن تجاهه. والأرجح، أيضا، أن يزداد هذا الموقف سلبية إذا أصر هو على عدم التفاوض قبل وقف الاستيطان. وقد تكون هذه بداية نفور ربما يقود إلى ما هو أشد وطأة بعد ذلك. وهذا هو جوهر المعضلة التي لابد أن عباس يدركها، خصوصاً أنه تابع عن قرب تحول السياسة الأميركية أو بالأحرى انقلاب موقفها تجاه عرفات. فبعد أن كان أبو عمار موضع حفاوة شديدة في واشنطن، إلى حد أنه دخل البيت الأبيض أكثر من أي زعيم عربي آخر خلال الفترة بين 1993 و2000، صار مرفوضا ومطلوب استبداله بقيادة جديدة اعتباراً من أواخر 2001. ومازال أبو مازن يذكر، كغيره من القادة الفلسطينيين، تطور عملية "شيطنة" عرفات التي بدأت مقدماتها الأولى في منتصف 2001 بعد أن تصاعدت انتفاضة الأقصى ابتداءً من سبتمبر 2000. وقد بدأت هذه المقدمات بينما ظل مسؤولون أميركيون يراهنون على دور عرفات في وقف الانتفاضة، مثل وزير الخارجية باول الذي بقي حديثه عن عرفات إيجابياً حتى أوائل يونيو 2000. لكن خطابه أخذ يتغير تدريجيا منذ عملية تفجير ملهى ليلي في تل أبيب ومقتل 19 إسرائيليا في ذلك الشهر. وحتى بعد تلك العملية، وجه باول رسالة إلى عرفات حثه فيها على "وقف العنف بدون شروط"، ثم عبر عن تفاؤل حذر بإعلان الزعيم الفلسطيني "وقف إطلاق النار"، وقال إنه "موقف مشجع... لكننا ننتظر ما سيحدث على الأرض". ورغم أن باول كان مدركاً أن للصراع طرفين وناشد تل أبيب في الوقت نفسه "ضبط النفس" وإعطاء عرفات فرصة لوقف العمليات المسلحة، فإنه لم يحمَّل الإسرائيليين أية مسؤولية عن فشل السعي إلى هدنة عندما أطلق ردهم العنيف على عملية تل أبيب موجة جديدة من المواجهات. فلم يستطع عرفات، والحال هكذا، أن يسيطر على الموقف في الجانب الفلسطيني. ومع ذلك صب الأميركيون غضبهم عليه وحده وتجاهلوا حقيقة أن قسوة التصعيد الإسرائيلي ساهمت في فشله، واستجابوا للحملة التي شنتها حكومة شارون حينئذ من أجل القضاء عليه. وظهر أول مؤشر على ذلك عندما بثت إذاعة "صوت إسرائيل" في آخر يونيو 2001 تقريراً لمراسلها في واشنطن أفاد فيه بأن مسؤولاً أميركيا تحدث عن عدم وجود فرق يُذكر بين أبو عمار وبن لادن. وخلال أسابيع قليلة، أخذت أصداء الاتهامات التي كالها شارون وحلفاؤه، بمن فيهم قادة حزب "العمل"، تتردد في واشنطن. صار عرفات متهماً بأنه هو من أحبط الجهود السلمية وأعطى إشارة خضراء للتصعيد ودفع حركة "فتح" إلى منافسة "حماس" وغيرها من الفصائل في شن عمليات مسلحة ضد إسرائيل! وهكذا أصبح عرفات في غضون أشهر قليلة هو السبب الوحيد في التدهور الذي حدث في العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين وانهيار عملية أوسلو. وقبل أن يسدل الستار على عام 2001، بدا أن واشنطن تتجه إلى التصديق على "حكم الإعدام" الذي أصدرته حكومة شارون بحق عرفات، رغم أن أصواتاً إسرائيلية ظلت تحذر من نتائج وخيمة لتغييبه باعتباره الوحيد الذي يستطيع تقديم التنازلات الفلسطينية اللازمة للتوصل إلى اتفاق. لكن هذه الأصوات لم تؤثر في موقف شارون وحكومته ولم تصل إلى واشنطن التي مضت قدماً في دعم تحرك رئيس الوزراء الإسرائيلي باتجاه "شيطنة" عرفات وصولاً إلى حبسه في مقر المقاطعة في رام الله. ولعل عباس يستحضر هذا المشهد الآن وهو يفكر في كيفية التعاطي مع الوضع الصعب الذي يجد نفسه فيه بطريقة لا توفر الذريعة لحملة مماثلة عليه. فهل يجد مخرجاً آمناً من هذا الوضع، أم يضطر إلى الخيار الذي قد يبدو أقل مرارة وهو قبول التفاوض في ظل الاستيطان؟ وهل تساعده فكرة البدء بمفاوضات غير مباشرة في تبرير موقفه أمام شعبه رغم أنها لن تكون أكثر من "معبر" إلى محادثات مباشرة؟ أم تراه يصر على موقفه فيخاطر بعلاقته مع واشنطن على نحو قد يجعل السؤال عن احتمال أن يلقى مصير عرفات مطروحا في الفترة القادمة؟
|