رشيد الخيّون

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

لا تفرطوا بـ"قيادة قطر العراق"..!

تاريخ النشر: الأربعاء 25 نوفمبر 2009

يشتد التنابز بين الائتلافات السياسية العراقية كلما اقترب موعد الانتخابات، وليس هناك نبز أكثر وقعاً من "البعثيين الصداميين". جرى هذا في انتخابات 2005 عندما رفعت لافتات ضد قائمة انتخابية، صاحب رئيسها المعارضة منذ البداية وحتى النهاية، وكان يحمل حلاً يقلل من العنف، وهو ألا يُعمل بقانون "اجتثاث البعث"، الذي خلق القوة البعثية المسلحة، وزاد من الانتماء لـ"القاعدة"، وبدلاً من ذلك أن يقدم إلى المحاكمة كل مَنْ تلوثت يده بالدم! "وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ" (الأحزاب 25). وها هو عمار الحكيم، رئيس "المجلس الأعلى" يعود ويقول ما قاله آنذاك إياد علاوي. وياليت عمار، وهو الشاب الذي يبدو متفهماً وجريئاً، قالها منذ أول المشوار، لحقن بها الكثير من الدماء، وعزل الصداميين، على الحقيقة لا المجاز، ومع ذلك فاليقظة في هذا الوقت ليست متأخرة. فكم من إسلامي كان بعثياً، قولاً وفعلاً، فلماذا التبدل الحزبي والعقائدي يجوز لفئة ولا يجوز لأخرى! مثلما كم كُردي "ناضل" مع النَّظام السابق، وأعانه على قومه، وها هو يعيش على أرضه، ويذهب إلى صندوق الانتخاب، لأن ذلك الجزء من العراق لم يعرف مفردة "اجتثاث"، وتم التعامل بحكمة ورعاية للمستقبل.

مازالت المزايدة جارية، وأهل العراق، وإن كانوا غير نسّائين، لكنهم يرون أحقية اجتثاث الفساد والمفسدين، والمؤازرين للفتن عبر الخطاب الطائفي، من اجتثاث الرَمِيمِ، والبعثيون الصداميون تحولوا إلى رَمِيمِ بنظر العراقيين، لكن السياسة غير الحكيمة هي التي أخذت تبث الحياة في الرَمِيمِ، ومَنْ يتشدقون بقانون الاجتثاث على أنه واحدة من مناقبهم، ولولاه لعاد البعثيون إلى السلطة ثانية، واهمون، وأجدهم متناقضين، فمن جهة يقولون: لا مكان للبعثيين في قلوب العراقيين، ومن جهة ثانية يخشون عودتهم عبر صندوق الاقتراع! إذن هو ليس الخوف من البعثيين الرمم، إنما هو الخوف من منافسين آخرين، فيا عجباً كان من البعثيين أحباب في المعارضة فغدوا أعداءً في السلطة!

وهم قيادة قطر العراق، ويعرف الجميع مقرهم في دمشق، ولهم قاعدة، إن قلت أو كثرت، هي من المختلفين قلباً وقالباً مع البعثيين الصداميين. يعلم المطلعون أن هؤلاء أول مَنْ اتخذوا طريق الإصلاح في حزب "البعث"، وأول مَنْ شخصوا مَنْ هو صدام حسين! فطردوه عام 1966 من الحزب، وبعد السلطة أول مَنْ دُشن فيهم الاغتيال والاعتقال، وكنا نسمع بوجود الجناح اليساري والجناح اليميني في "البعث"! وأتذكر العام الدراسي (1969 -1970) دخلنا الانتخابات الطلابية في المدرسة الثانوية، بمنطقتنا، بتشجيع من هؤلاء، وكنا في بداية الطريق إلى اليسار. وللعزلة الريفية سمينا قائمتنا: "القائمة الثورية"، فقامت القيامة علينا، لأن قائمة الاتحاد العام لطلبة العراق المرتبط بالحزب الشيوعي العراقي كانت: "الديمقراطية"، وجرى ما جرى شكاً أن هناك تنظيماً آخر، قد يرتبط بالكفاح المسلح حينها، أمين الخيون (اغتيل 1972) وجماعته، داخل بردي وقصب أهوار جنوب العراق! مع أن اسم قائمتنا كان من بناة أفكارنا المراهقة، من دون علم أحد، بدفع من البعثيين اليساريين كي لا تفوز قائمة الاتحاد الوطني لطلبة العراق- تنظيم "البعث" اليميني الحاكم، وصار ما صار علينا وعلى "بعث" اليسار، وتلك قصة طويلة.

الشاهد مما تقدم، أن قيادة قطر العراق ظلت مع صوت المعارضة، وسهلت ما سهلته من إيلاف المعارضين العراقيين إلى الشام، بل لا يوجد تنظيم أو حزب عراقي بسوريا، خارج مشورتهم، سواء أكان بكلمة تأييد أو بغض طرف. ويغلب على الظن أن السلطة القائمة اليوم بالعراق تتذكر ذلك جيداً، حتى دخول المعارضين دمشق كان يجوز عبر ورقة مرور تصدرها عدن أو طهران، وكم من مسؤول عراقي الآن كان لديه جواز سفر دبلوماسي سوري، من العرب كان أو من الكُرد. ستقولون هناك مَنْ اُعتقل بدمشق أو طُرد، نعم! وحصل ذلك ببقية العواصم التي كانت تدعم المعارضة، لكن الثقل كان على سوريا.

اشتركت جماعة قيادة قطر العراق بأول اجتماع عام للمعارضة بدمشق (1989)، بعد أن أُستثي تنظيمهم مع بقية غير الإسلاميين من اجتماع طهران (1987)، لأنها لم تؤيد البديل الإسلامي، ولا مبدأ ولاية الفقيه. ثم اشتركت في أول مؤتمر للمعارضة العراقية ببيروت(1991)، ذلك الذي افتتحه شاعر العراق محمد مهدي الجواهري(ت 1997)، بقامته المهيبة وصوته المدوي، لكن بكلمة لا بقصيدة! وظلت تساهم بهذا المؤتمر وذاك الاجتماع، حسب ما تتفق به من وجهة نظر، إلا أن الهمة لإسقاط النَّظام لا تفريط فيها، وآخر مشتركات قيادة قطر العراق هو "ائتلاف القوى الوطنية العراقية -بريطانيا"، وآخر اجتماع وبيان له كان قُبيل السقوط (11 فبراير 2003) سوية مع حزب "الدعوة الإسلامية" و"الشيوعي العراقي"، وجمهرة من المعارضين. فلماذا يستثنى هؤلاء، بعد السقوط، وبمادة دستورية!

ليس مطلبنا لردِّ فضل، فما أن تمارس على العراقي شدة بدمشق، أو طلب حاجة ما، إلا وحضر اسم محمود الشيخ راضي، ومحمود شمسة وبقية رفاقهم. بل إن وجود هؤلاء، في الوضع السياسي، سيسحب البساط من تحت البعثيين الصداميين، بل سيعزل القاعدة البعثية التي يبيع ويشتري بها تجار الدم عبر الشعارات، على الأمل بعودة الماضي، وأكثر من هذا ستؤمن الحدود السورية مع العراق، فكم من حرج تواجهه القيادة السورية، وجماعة قيادة قطر العراق من أولئك الباحثين عن أي منفذ لكسب ممولي العنف وعناصره، عندما يطرح قانون "اجتثاث البعث"! ويُقال لهم ألأجل هذا رفعتم الراية ضدنا لأربعين عاماً!

أقول: مثلما صقل الزمن الأحزاب، المشاركة الآن في الوضع السياسي، وتبدلت من شمولية ثورية، من ولاية فقيه أو دكتاتورية بروليتارية، إلى ليبرالية ديمقراطية، أظن أن جماعة قطر العراق لن يغردوا خارج السرب، وقد روضهم الزمن مثلما روض الآخرين! واجهوا الحقيقة ولا تفرطوا بهؤلاء! أما أن تقولوا لهم نستقبلكم فرادى، لتظلوا تحت أجنحتنا، فهذا لا يرضيهم، وقد خدموا معكم جماعة وحزباً، فما عدا مما بدا! وللجواهري ما يعتشى به، وإن اختلفت المناسبة وأسباب القول: "ونِعم صديق القوم من أن تقطعت .. بهم وبه الأسباب يوماً تسببا .. فلا تخذلوا منهم حليفاً مُقرباً .. ولا تُشمتوا فيهم وفيكم مُجنَّبا".

   
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تتوقع أن استمرار الأزمة الأوكرانية الروسية سيؤدي إلى إشعال حرب أهلية في أوكرانيا؟

نعم
لا
لا أدري