"المستوطنات": آراء وحقائق
تاريخ النشر: الجمعة 25 سبتمبر 2009تحتل قضية "الاستيطان" (الاستعمار) حالياً صدارة الأجندة الدولية المتعلقة بمجمل عملية التسوية في الشرق الأوسط. فالفلسطينيون يربطون استئناف المفاوضات مع الإسرائيليين بوقف كامل لأنشطتهم "الاستيطانية" في الضفة الغربية، بينما تتحجج إسرائيل بأن البت بهذه القضية منوط بنتائج المرحلة الأخيرة من المفاوضات، وأن أنشطتها الاستعمارية محصورة في توسيع "المستوطنات" القائمة لأغراض "التوسع الطبيعي"، كما في منطقة القدس المحتلة، وأنها تستطيع تجميد الأنشطة لمدة محدودة فقط ولكن ليس في زهرة المدائن، بانتظار الثمن المقابل من الفلسطينيين والعرب عامة. الأمر الملموس أن هناك نصف مليون يهودي يقيمون في "مستوطنات" (مستعمرات) الضفة، بينهم 200 ألف يسكنون في المناطق التي عرّفتها إسرائيل كجزء من القدس الموسعة وضمتها إلى سيطرتها. ورغم الانتقادات الدولية الشديدة، الداعية لتجميد "الاستيطان"، ومع كل المحاولات الأميركية لإقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بوقف "الاستيطان"، ولو لمدة سنة، إلا أن الحكومة الإسرائيلية أعطت الضوء الأخضر لبناء 455 وحدة سكنية في مستعمرات بالضفة مع القدس الشرقية، ما يجعلنا نقول بأن "معسكر السلام" الإسرائيلي (والعرب وغيرهم) خسروا الحرب التي خاضوها ضد "المستوطنات"، وقد أصبحت هذه الأخيرة أمراً واقعاً من العسير تغييره. وعليه، يصعب على أي حكومة إسرائيلية، في أي مستقبل منظور، وإن أرادت ذلك، إخلاء 500 ألف مستعمر يهودي من الأراضي المحتلة. فإخلاء 8000 فقط من هؤلاء من القطاع، ترتب عليه ما سمي في حينه "ثورة المستوطنين". كما أن المستعمرات الإسرائيلية، منذ عام 1967 وإلى الآن، قامت بتشجيع من حكومات إسرائيل المتتالية في العلن قبل الخفاء. ولا ننسى أن هناك ضباطاً في "جيش الدفاع"، عددهم ليس بالقليل، يقطنون "المستوطنات"، بل لطالما أكدت الصحف العبرية أن هؤلاء يتعاونون مع "المستوطنين" بأشكال شتى.
ويستخلص "يوسي أميتاي" من ذلك: "إنني على استعداد لأن أتبنى مقولتين كثيراً ما يستخدمهما المستوطنون، إحداهما أنه (لا يجوز تشريد أي إنسان من بيته)، أملا مني في أنهم سيوافقون على انسحاب هذا المبدأ أيضاً على العائلات الفلسطينية التي تم تشريدها أخيراً من ديارها في حي الشيخ جراح بالقدس، وأن تظهروا بعض التعاطف مع لاجئي عام 1948. والمقولة الأخرى أنه (لا مانع من أن توجد أقلية يهودية تقطن في الدولة الفلسطينية، مثلما توجد أقلية عربية فلسطينية تقيم في دولة إسرائيل). وافتراضاً منا بأن المفاوضات التي ستجرى بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، برعاية إدارة الرئيس أوباما، ستثمر حلا مبنياً على صيغة (الدولتين للشعبين)، فإنه يجدر بإسرائيل المطالبة بالسماح للمستوطنين الذين سيقيمون خارج حدود إسرائيل المتفق عليها بالبقاء في ديارهم كمواطنين في الدولة الفلسطينية، مع ضمان أمنهم، شريطة أن يلتزموا باحترام قوانين تلك الدولة".وتمسك إسرائيل "بالاستيطان" على هذا النحو يشير إلى عدم نضجها لعملية التسوية، فهي تدعي أنها دولة علمانية بطبيعتها، لكنها تناقض هذا الأمر بتقديسها الرموز الدينية والتاريخ اليهودي. وهي تدعي أنها دولة ديمقراطية لكنها تعطي منزلة مميزة لليهود وتسيطر على شعب آخر بالقوة. وهي تقول إنها دولة لمواطنيها، من العرب واليهود، لكنها أيضا (دولة ليهود العالم)! ومع ذلك، يختلف الرأي العام الإسرائيلي بشكل أو بآخر حول المستعمرات، فقد بين استطلاع للرأي نشرته الإذاعة الإسرائيلية العامة مؤخراً أن الإسرائيليين منقسمون حول تجميد "الاستيطان"، حيث أيده (44.7 في المئة) وعارضه (38 في المئة) منهم. لكن بالعودة إلى "أميتاي" يظهر أن كل ما سبق هو جزء من كل، فالأساس كما يقول، "... إذا ما رفضه المستوطنون، وهو خيار الإقامة في الدولة الفلسطينية، فسيبقى مفتوحاً أمامهم سبيل الجلاء الطوعي إلى داخل الحدود (السيادية) لدولة إسرائيل، مع منحهم دعماً مادياً سخياً من قبل السلطات الإسرائيلية". غير أنه يضيف القول إن "هذا الطرح غير واقعي وغير قابل للتطبيق، ذلك أن الهدف من إقامة المستوطنات كان أساساً وما يزال سياسياً بحتاً: وهو الحيلولة دون إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل". أما "شالوم يروشالمي" فيقول بصراحة كاملة إن المستوطنات في الضفة "غير قابلة للتجميد"، ويعلل ذلك بالقول إن "عشرات الرضع الذين يولدون في بيتار وفي أماكن أخرى يحتاجون إلى الشقق وإلى الغرف... وإلى الحضانات والروضات والمدارس. اللقمة لا تشبع الأسد". ثم يصف ما يحدث مشيراً إلى خلفياته قائلا: "في الضفة لا يمكن وقف البناء. ينبغي فقط التجول في المنطقة كي نرى مئات وحدات السكن التي تُبنى في كل مكان، مع مصادقات بناء أو بدونها. نتنياهو يعطي لهذا الأمر اليوم ريح إسناد، وحتى إذا أعلن في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بأنه يقلص البناء، فإن المستوطنين سيجدون السبيل لتجاوز الأمر. هم أيضاً يعرفون بأن الحديث يدور عن مناورات لنتنياهو حيال الأميركيين". ومن جهته، يشرح أياريف اوفنهايمر"، أمين عام حركة "السلام الآن"، المهمة من وجهة نظر قيادة "المستوطنين"، قائلا إنها "واضحة وممنهجة: نسف كل إمكان للتوصل إلى تسوية وإنهاء السيطرة الإسرائيلية على المناطق الفلسطينية المحتلة". ثم يختم: "لقد آن الآوان لكي يرفع الجمهور الإسرائيلي صوته ويقول بشكل واضح لرئيس الحكومة ووزرائه إن الصراع الذي تخوضونه مع الأسرة الدولية والتسبب في تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة لا ينبع من إرادة لتحسين وضع إسرائيل ومكانتها، بل من إرادة سياسية ضيقة لتحسين أوضاع المستوطنين والحفاظ على استقرار الحكومة". ويقول "سيفر بلوتسكر" في مقال بعنوان "إخلاء المستوطنات متأخر جداً"، إنه إذا كان عدد اليهود في الضفة الغربية، سيواصل الارتفاع بالوتيرة الحالية، فإن "عدد السكان اليهود خلف الخط الأخضر إياه، والذي شطب من وعي الإسرائيليين، سيكون في عام 2025 نحو 750 ألف نسمة". لكن اليوم أيضاً، حيث يبلغ العدد 500 ألف مستوطن، فإن "الاستيطان اليهودي في (المناطق) يقرر منذ الآن بقدر كبير مصير إسرائيل". صحيح أن النشاط "الاستيطاني" عزز التعاطف مع الشعب الفلسطيني وأضعف "شرعية" إسرائيل على الصعيد الدولي، غير أننا نلاحظ بالمقابل تزايد المجموعات المتطرفة التي تهدد الاستقرار ولا تنصاع حتى للقوانين الإسرائيلية التي تشرّع "الاستيطان" باعتباره مسألة خارج النقاش مما "يهدد" سلطة الدولة، فضلا عن أن وضع "الاستيطان" على ما هو عليه يبقي واقعاً احتلالياً جاثماً على صدر العرب ويضغط على مستقبل إسرائيل، على الأقل من ناحية الهوية وطبيعة الدولة. وبالمجمل، فإن قضية "المستوطنات" (المستعمرات) ربما باتت الأساس الذي يمكن أن تتحدد على ضوئه ثلاثة ملفات في غاية الأهمية: أولها يتعلق بتحديد مصير عملية التسوية ككل، وثانيها يتصل بطبيعة العلاقات الأميركية الإسرائيلية في ظل إدارة الرئيس أوباما، وثالثها خاص بتوضيح ما إذا كانت إسرائيل مستعدة لتحديد وتعيين "حدودها"!
|