حقوق الإنسان في الإمارات... جهود وتوجيهات
تاريخ النشر: الأربعاء 04 مارس 2009عند الحديث عن التقرير الأخير لوزارة الخارجية الأميركية حول حقوق الإنسان في العالم، لابد أن نشير إلى شقين في هذا الموضوع، الشق الأول داخلي وهو الذي يخصنا وما يجب أن نهتم به ونعطيه حقه من الوقت والجهد... أما الشق الآخر فهو يخص أصحاب التقرير أي الولايات المتحدة الأميركية. الشق الأول هو الجهود التي تبذلها الدولة من أجل الحفاظ على حقوق الإنسان، وإن وجدت ثغرات جزئية وهامشية يتم استغلالها لاختلاق اتهامات أحياناً. فمن يستعرض التوجيهات العامة فيما يتعلق برعاية الحقوق المدنية وحقوق الإنسان بشكل عام يجد أن هناك اهتماماً حقيقياً بهذه القضية، وهناك جهوداً كبيرة بذلت على مختلف الصعد فيما يتعلق بحقوق الإنسان في الإمارات، مما أوجد وضعاً متقدماً جداً عما كان عليه الحال في الماضي... فحرية التعبير متاحة للجميع... والحرية الشخصية والشعور بالأمن والأمان تعتبر من مميزات العيش الكريم في الإمارات... كما أن الخدمات الصحية في الإمارات مكفولة للجميع، وهناك ضمان صحي فاعل ومميز... وليس هناك مشردون في الإمارات فكل إنسان فيها لديه مسكن ودخل ثابت... كما أن مشكلة البطالة ليست خطيرة على الرغم من وجود عدد من الباحثين عن العمل وذلك بعكس كثير من الدول التي تعاني من هذه المشكلة... أما المرأة فقد حصلت على أكثر حقوقها ولا تعاني من تمييز في العمل على أساس الجنس وهناك أربع وزيرات في الحكومة وسبع عضوات في البرلمان. وفي حين أن هناك دولا لديها أطفال فقراء فإن الإمارات لا توجد لديها هذه المشكلة أبداً... كما أن التعليم متوفر للجميع ومتاح وإلزامي في مراحله الأولى.
هناك جهود كبيرة أذن تبذلها الإمارات، وأتمنى أن يكون إنشاء الإدارة الجديدة لحقوق الإنسان في وزارة الداخلية بالإضافة إلى دورها في رعاية وحماية حقوق جميع أفراد المجتمع وحرياتهم العامة وفقاً للدستور والقوانين النافذة في الدولة، وإعلانات حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية المنظمة لحقوق الإنسان... نتمنى بالإضافة إلى ما سبق أن تنجح في تنظيم الجهود وتنسيق العمل فيما يخص حقوق الإنسان في الدولة.أما الجزء الآخر من هذا الموضوع فيخص الولايات المتحدة الأميركية التي تصدر هذا التقرير وبلا شك أن هناك اهتماما عالميا به، لكن كان واضحاً هذا العام مدى الغضب والاعتراضات العالمية على تقرير 2008 ويبدو أن الجميع سار على مبدأ أن من بيته من زجاج يجب أن لا يلقي الناس بالحجارة فلدول العالم ملاحظات على بعض ممارسات الولايات المتحدة الأميركية أهمها معتقل جوانتانامو وآخرها القانون الذي وقعه الرئيس الأميركي السابق بوش الابن في العاشر من يوليو 2008 والذي يسمح بالتنصت الحكومي على المواطنين بحجة الحفاظ على الأمن. وربما كان أقسى الردود على التقرير الأميركي جاء من الصين التي يبدو أنها كانت جاهزة هذا العام للرد على التقرير بعدما سئمت الانتقادات السنوية التي توجه إليها في مجال حقوق الإنسان. لا أحد يختلف على أهمية هذا التقرير لكن يجب أن نتفق أنه في حال استمراره في التقليل من شأن العمل الذي تقوم به الدول لتحسين أوضاع حقوق الإنسان فيها، وكذلك في حال استمرار عدم الدقة في معلوماته، واستمراره في التركيز على السلبيات وتضخيمها... فإن هذا التقرير سيفقد قيمته مع مرور الزمن والردود العديدة التي صدرت من دول العالم والمعترضة على ما احتواه التقرير هذا العام يمكن اعتبارها مؤشراً أولياً على أن التقرير بدأ يفقد قيمته "وهيبته". التقرير يأتي ليهدم جهد عام كامل من العمل والمحاولات الجادة من أجل الوصول إلى الأهداف التي تسعى إليها الدول في مجال حقوق الإنسان وإذا ما استمر التقرير بهذا المستوى فانه سيفقد تأثيره وسيكون ما فيه مجرد حبر على ورق لا تعيره الدول اهتماماً كما هو الحال اليوم. يجب أن يدرك العاملون على مثل هذه التقارير أن المعايير الأميركية لا يمكن تطبيقها حرفياً على جميع دول العالم فما يناسب الولايات المتحدة قد لا يناسب الصين وما يناسب الصينيين قد لا يناسب العرب وما يناسب العرب ليس بالضرورة أن يناسب الهنود وما يناسب الهنود قد يتعارض مع ما يحتاج إليه من يعيشون في أميركا اللاتينية وهكذا... لذا فإن محاولات الولايات المتحدة في استنساخ أفكارها وتطبيقها على دول العالم هي فكرة غير صحيحة، فكما فشلت إدارة بوش في "تعميم" الديمقراطية الأميركية على العالم سيكون من الصعب عليها فرض المعايير والقيم الأميركية على العالم، لذا يجب احترام خصوصية كل بلد وكل مجتمع بما يحتويه من قيم وعادات وتقاليد ودين وتاريخ وحضارة. كما أنه من المهم أن لا يستمر أسلوب التعميم في إصدار الأحكام في هذا الموضوع كما نتمنى أن لا يعتمد التقرير على الإشاعات والمعلومات غير الموثوقة وغير الصحيحة فمن السهل إصدار آلاف الصفحات من خلال ما يتناقله الناس، لكن تقريراً جاداً كهذا يفترض أن تكون لكل كلمة فيه معنى وقيمة حقيقية حتى يحافظ على ثقله ويكون في مستوى الاحترام الذي تتمتع به الدولة التي تصدره. كنا نعتقد أن صدور هذا التقرير يهدف إلى تحسين أوضاع الناس ودعم الحقوق المدنية في دول العالم لكن ما نلاحظه الآن هو أن التقرير يعمل على انتقاد الدول وينحاز أحياناً كثيرة لأسباب سياسية إلى التركيز على بعض الدول وتجاهل دول أخرى واعتقد أن استمرار تجاهل التقرير الحديث عن إسرائيل وما ترتكبه من جرائم ضد البشرية والإنسانية في فلسطين وآخرها الحرب على غزة، يجعلنا نضيف العديد من علامات الاستفهام والتعجب على التقرير! أخيراً يجب أن نقول إن العالم يترقب تقرير الخارجية الأميركية لحقوق الإنسان لعام 2009 والذي سيصدر في مثل هذا الوقت من العام المقبل ويتوقع العالم أن يكون تقريراً مختلفاً عن التقارير السابقة التي صدرت في عهد إدارة بوش الابن ذلك العهد الذي لا يختلف اثنان على أنه أسوأ العهود الأميركية على العالم. ومصدر التفاؤل بتقرير جديد متوازن هو أنه سيصدر عن إدارة أوباما الذي يفهم أشياء كثيرة يجهلها بعض القائمين على السياسة الخارجية الأميركية عن شعوب العالم وقيمها وربما يؤدي ذلك لان يكون التقرير الذي يصدر عن إدارته في العام المقبل أكثر دقة وواقعية وإنصافاً واستيعابا للاختلافات بين أمم وشعوب العالم وأميركا.
|