المنظر ذاته يتكرر عبر وسائل الإعلام العربية، المحلية والفضائية، سنة بعد سنة، فتاة (أو فتى) في مقتبل العمر، لها إمكانيات غنائية متواضعة وحظ وافر من الجمال وخلفية ثقافية فقيرة، تجلس أمام محاورة (أو محاور) في عمر أمِّها وأمام حشد من طلبة الثانويات أو العاطلين عن العمل أو سياح المتع الصاخبة. يدور الحوار لمدة ساعتين كاملتين عن الأغنيات والأكلات المفضلة ومصمِّمي أزياء "المغنية" و"الانتصارات الفنية" التي تحققت عبر سنتين من العمر الفني لهذه أو تلك، ومن الواضح أن المحاورة قد صرفت ساعات طويلة من البحث بدليل أنها تعرف تاريخ كل أغنية وتفاصيل كل منعطف في حياة "الفنانة" ودقائق الحياة اليومية للشابة الصغيرة المبتسمة والمقهقهة بين الحين والآخر. المنظر الثاني ذاته يتكرر أيضاً، مفكر أو عالم أو أخصائي في التكنولوجيا يجلس أمام محاور (أو محاورة) لمدة نصف ساعة أو أقل أو أكثر بقليل، ليتعامل مع أعقد القضايا تحت وطأة ضغط الوقت والعجلة وموجز نشرة الأخبار ومقاطعة عشرة آخرين. والمنظران يمثلان ظاهرة إعلامية عربية تستحق التدقيق في مدلولاتها. إنها تطرح سؤالاً محدداً: هل يدرك القائمون على الإعلام العربي بأية أجنحة يطير عصرنا الذي نعيشه؟ إن عصرنا يحلق بجناحين أساسيين، أولهما يتمثل في منجزات العلوم والتكنولوجيا التي أصبحت وراء كل المتغيرات المجتمعية المذهلة التي نشاهدها كل يوم، وثانيهما يتمثل في بقية النشاطات الإنسانية الأخرى من سياسة واقتصاد وفنون وتسلية ورياضة وغيرها. وبمعنى آخر فإن فهم ما يجري في ساحات العلوم والتكنولوجيا أصبح مدخلاً رئيسياً للعصرنة والنهضة القومية والبقاء في طرقات العولمة. وعليه فإن إهمال هذه الساحات، كما تفعل وسائلنا الإعلامية، هو إهمال لإعداد المجتمعات العربية والشباب العربي على الأخص لولوج العصر، دعنا نكون أكثر تحديداً ونذكر أمثلة: 1- إن علوم بيولوجيا الجزئيات تتعامل مع قضايا من مثل أسرار الحياة المادية وأمراض الوراثة والاستنساخ وعلاج الكثير من الأمراض وهندسة الوراثة في حقول الغذاء والزراعة وتربية الماشية وغيرها من الحقول التي لا تعد ولا تحصى. فهل يعقل أن يتجاهل الإعلام العربي، إلا في النادر، العلماء العرب في هذا الحقل ويبقى المشاهد والمستمع والقارئ العربي في ظلام شبه دامس بالنسبة لعلم سيكون علم العلوم في هذا القرن؟ 2- إن المجتمع العربي يواجه قضايا خاصة به يحتاج المواطن العربي إلى أن يعي مخاطرها ومضاعفاتها المستقبلية. هناك قضيايا التصحر، وتلوث البيئة والغذاء، والعادات السلوكية الضارة بالصحة مثل التدخين والإدمان، والنظرة السحرية الغيبية لما وراء منجزات التكنولوجيا التي نستعملها يومياً، ووسائل المحافظة على ثروة الماء في منطقة صحراوية جافة، وغيرها كثير. ألا تستحق كل هذه القضايا أن يتحاور الإعلام العربي مع علمائها وفنييها بنفس القدر والاهتمام الذي يوليه لتفاصيل حياة فتيات وفتيان يُفقر التعرف عليهم عقول وأرواح وأخلاقيات الجيل العربي الجديد؟ لكي يعايش التقدم في العالم سيحتاج الإعلام العربي إلى أن يطير بجناحي العصر، لا أن يبقى ينط كالدجاجة معتمداً على جناحي السياسة المتخفية وراء ألف محذور والفن الغنائي المتواضع الكسيح.