د. أكمل عبد الحكيم

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

وفيات الأمهات... نزيف عالمي مسكوت عنه

تاريخ النشر: الإثنين 22 أكتوبر 2007

شهدت العاصمة البريطانية خلال الأيام القليلة الماضية، فعاليات مؤتمر بعنوان "النساء تلد" (Women Deliver)، يُعنى بسلامة وصحة المرأة أثناء فترة الحمل والولادة، وفترة ما بعد الولادة. ويأتي هذا المؤتمر ضمن جهود دولية متعددة، تهدف لتسليط الضوء على الوضع المتردِّي لنساء العالم، من ناحية الوفيات التي تحدث بينهن أثناء الحمل، والولادة، وفترة ما بعد الولادة. فشعار المؤتمر مثلاً، هو أنه بمرور كل دقيقة، من كل ساعة، من كل يوم، تلقى امرأة حتفها أثناء المراحل الثلاث تلك. وقبل أن نتطرق إلى استعراض الوضع العالمي لما يعرف بوفيات الأمهات، ينبغي أن نتوقف قليلاً عند بعض المصطلحات العلمية والتعريفات، وخصوصاً المشاكل التي تفرضها ترجمة تلك المصطلحات والتعريفات للغة العربية.

فبداية نجد أن مصطلح وفيات الأمهات، وهو ترجمة لـ(maternal death)، يثير اللبس لدى الكثيرين، حيث إن المقصود هنا هو وفاة المرأة أثناء مراحل الحمل، والولادة، وفترة النفاس. وإن كانت اللغة الإنجليزية تحتوي على مصطلح للتعبير عن هذه الفترات، إلا أنه لا يوجد مرادف في اللغة العربية، ولذا سنضطر لاستخدام (وفيات الأمهات) برغم ما قد يفسره البعض على أنه وفاة للأم في أية من مراحل حياتها. وحتى إذا ما استخدمنا مصطلح وفيات (النساء الحوامل)، فسنستثني بذلك وفاة المرأة أثناء الولادة أو خلال فترة النفاس. فحسب تعريف منظمة الصحة العالمية، تعرف وفيات الأمهات على أنها "الوفاة التي تحدث لامرأة أثناء حملها، أو خلال 42 يوماً بعد انتهاء الحمل، بغض النظر عن فترة أو مكان الحمل، ومن أي سبب ناتج عن الحمل ذاته، أو من جراء تفاقم سبب آخر بسبب الحمل، أو نتيجة العناية الطبية التي تتلقاها المرأة أثناء الحمل، مع استثناء الوفيات الناتجة عن الحوادث وعن الأسباب العرضية".

هذه المقدمة اللغوية الاصطلاحية ذات أهمية خاصة، لما لنسبة وفيات الأمهات من دلالات قانونية وسياسية واقتصادية. فعلى سبيل المثال، تحدد مكانة الدول جزئياً في تقارير مستويات الرعاية الصحية، بناءً على نسبة وفيات الأمهات بين نسائها. وهو ما يتطلب بالضرورة، الاتفاق على معنى محدد لوفيات الأمهات، وكيفية تحديد هذه النسبة. فالكثيرون مثلاً، يتجاهلون الوفيات التي تحدث أثناء فترة النفاس في حساب نسبة وفيات الأمهات، وهي نسبة الوفيات لكل 100 ألف ولادة حية. رغم أن الإحصائيات والدراسات، تظهر أن جزءاً كبيراً من تلك الوفيات يحدث خلال فترة النفاس، إلى درجة أن 10% من مجموع وفيات الأمهات حول العالم من جراء الحمل، يحدث بعد فترة الاثنين وأربعين يوماً، التي يتضمنها تعريف منظمة الصحة العالمية.

ولكن ما هو بالتحديد حجم وفيات الأمهات، الذي يجعلها مشكلة صحية عالمية؟ وما هي أسباب تلك الوفيات؟ وكيف يمكن تجنُّبها؟ بالنسبة للسؤال الأول، يكفي أن نذكر أنه في كل عام، تلقى أكثر من نصف مليون امرأة حتفهن، أو بالتحديد 536 ألفاً، أثناء الحمل، أو الولادة، أو النفاس. ومما يضاعف من وقع هذه المشكلة، أن هذه الوفيات لا تحدث بشكل متساوٍ بين دول العالم، حيث يقع معظمها بين نساء دول العالم الثالث. ففي الوقت الذي لا تزيد فيه نسبة وفيات الأمهات عن تسع لكل 100 ألف ولادة حية في الدول الغنية، وأحياناً أربع فقط كما هو الحال في النمسا، نجد أن هذه النسبة ترتفع إلى 450 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، وأحياناً 2000 وفاة كما هو الحال في سيراليون وأفغانستان. وهو ما يعني أن احتمالات وفاة الأم الأفغانية، تبلغ خمسمائة ضعف احتمال وفاة الأم النمساوية.

وإذا ما تطرقنا لسؤال أسباب هذه الوفيات، فلابد أن نقسم الإجابة إلى أسباب طبية، وأسباب أخرى اجتماعية واقتصادية محلية. وما نعنيه بذلك، أن الأسباب الطبية هي نفسها بين جميع النساء في جميع مناطق العالم، ولكن بسبب اختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية، تنجو منها أمهات النمسا، بينما ينتهي عدد كبير من الأمهات الأفغانيات في شكل رقم إضافي ضمن إحصائيات الوفيات. في مجموعة الأسباب الطبية، يحتل رأس هذه القائمة النزيف الحاد بنسبة 25%، تليه العدوى بنسبة 13%، ثم تسمم الحمل بنسبة 12%، ثم تعسر الولادة بنسبة 8%. وبنظرة سريعة لهذه القائمة، نجد أن علاج جميع أسبابها متوفر للطب الحديث منذ عقود طويلة. فالنزيف الحاد يمكن علاجه ببساطة بنقل الدم، وتستطيع المضادات الحيوية علاج غالبية حالات العدوى، أما تعسر الولادة فيمكن علاجه بالولادات القيصرية.

وهو ما يعني أن ملايين النسوة يلقين حتفهن عاماً بعد عام، ليس لسبب آخر غير شحِّ المصادر المالية الضرورية لتوفير مستوى مقبول من الرعاية الصحية القادرة على إنقاذ حياتهن. هذا في الوقت الذي تبلغ فيه ميزانية وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" سبعة عشر مليار دولار سنوياً، في محاولة لوضع رجل على سطح كوكب المريخ! وفي نفس الوقت، تنفق دول العالم أكثر من 950 مليار دولار سنوياً، على ميزانيات التسلح وأسلحة الدمار الشامل، حسب إحصائيات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث للسلام. وحتى على المستوى الفردي، نجد أن أدوية علاج الضعف الجنسي لدى الرجال، تبلغ مبيعاتها السنوية مليارات الدولارات، بينما لا يجد معظم هؤلاء الرجال لديهم بضعة دولارات، يتبرعون بها لإنقاذ امرأة تنزف حتى الوفاة، أو أخرى تعجز عن إرضاع طفلها بسبب حمى النفاس، إلى أن يلقيا ربهما.

   
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تعتقد بأن الهدف الأساسي من غزو غزة هو إجهاض مشروع الدولة الفلسطينية؟

نعم
لا
لا أدري