عبر بحثها في أزياء «نساء الإمارات»

ريم المتولي.. تسرد شغف الخيط الرفيع جداً

نوف الموسى (دبي)

تتحدث اللوحة المعلقة على جدران بيتها بسمو مترفع، دلالة على الذوق الرفيع، والاستعداد المكتنز بحب الفنون وأثرها الفكري والبصري، بينما تُجسد تفاصيل البيت نفسها بأشياء تشبه الحب المفتون بلمعة الزجاج وانكساراته. تحتفي الأسقف والأبواب، بإدراك متجلي بالثقافة، فعلى كل من يدخل إلى أفق الزوايا المتعددة في صالون الجلوس، أن يقرأ على روحه بعضاً من الموسيقى، ويصمت حتى يصل إلى أغواره البعيدة. تقدمت بإعلان الأمسية، كأنها ترحب بالأرواح البعيدة، وتقرب أنفاسها إلى الحضور، وتسرد لهم سبب اهتمامها بتوثيق أزياء نساء الإمارات، ووضعت كتابها في الركن الجانبي، بالقرب من المصباح الجانبي الأصفر، متوسطاً صوفة رقيقة، أيّ موعد للجلوس عليه حتى تمتد عينيك نحو البحيرة البعيدة المطلة من النافذة، المفتوحة على قلب البيت. ومن خلال عنوان «سلطاني.. تقاليد متجددة» بحث في أزياء نساء دولة الإمارات العربية المتحدة خلال فترة حكم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 1966 - 2004، تتوصل إلى كتابها الفسيح الأقرب إلى مجلد بحثي متعدد. لازالت تستقبل القادمين نحو معرضها الفني، ملتزمة بحوار دافئ ورقيق وأحياناً دقيق، بحسب ما تثريه اللحظة الشعورية والفكرية بينها وبين المتلقي، فهي تقف أمام الأثواب القديمة بحواشيها المذهبة، تستعرض تاريخاً مليئاً بشغف الخيط إذا ما احتضن نفسه، خالقاً من النسيج روحاً ترتديها الأجساد الناعمة، المستمرة في إثارة الجدل في كل عصر، وعن سر انجذاب حقبة جديدة لما تم قبلها من خيالات جمالية صنعت تاريخ المكان والزمان.

قبل ما يتجاوز ال25 سنة، وتحديداً في الثمانينيات، درست الدكتورة ريم طارق المتولي الأزياء في دولة الإمارات، ضمن رسالة علمية متكاملة، لترى نفسها أمام مشروع متكامل لثقافة تاريخ الأثواب التقليدية ومتغيراتها، وصولاً إلى اللحظة الراهنة من عمر الألبسة في مجتمعنا المحلي. جلست الدكتورة ريم في الحديقة الخارجية لمنزلها، ومن حولها صديقاتها من الحضور والمهتمين في مجال دراستها البحثية، يتناقشون عن إفرازات الكتاب، وما أتاحه من فرصة أن يتحول إلى معرض فني، إلى جانب محور تفاعلي بدأت به منذ عام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً «الانستغرام»، تضع الدكتور ريم، مجموعة من الصور القديمة لأثواب سيدات الإمارات في العهد القديم، التقطها مصورون قدموا إلى الإمارات ووثقوا مجموعة من المناسبات والحياة اليومية للنساء. الجميل فيما تعمد إليه الباحثة د. ريم المتولي، هو الجدال الواسع والنقاشات المباشرة بين المتابعين على الانستغرام بين مؤيد ومعارض لطبيعة المعروض في الصور، واللافت في ما أقدمت عليه، هو نشوء الحوار المفتوح الذي من شأنه أن يقدم مؤشرا لمدى الوعي المجتمعي لما هو متداول حول تراث الألبسة المحلية. بابتسامة شديد التأنق، تستمر د. ريم المتولي، في اكتشافها لأثر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تعرفت على الكثيرين من النساء اللاتي احتفظت بصورهن في البحث، ولكنها لا تعرفهن شخصياً، توافدت عليها اتصالات من أقارب أصحاب تلك الصور، التي تعود أحياناً لأمهاتهم وجداتهم.

تعاونت الدكتور ريم المتولي مع المصور الفوتوغرافي العماني عيسى صالح الكندي، لإضفاء صنعة فوتوغرافية بديعة، توازي عرض الأزياء، المتكشف من رحلة البحث العلمية. وقالت في لحظة انشغالها بوصف التعاون: «أحاول أن أبرز التفاصيل، تلك التي لا ينتبه لها الناس، بشكل عميق، بالنسبة لي فإن الجزء التفصيلي يعنيني بشكل أكثر عن كونه عملا فنيا للمتعة البصرية، ولكنني أمتد منه لأخلق فضاء من التوسع حول التفصيلة المبنية على الحس الواقعي، الذي يلامس حياتنا بشكل مباشر. في «الانستغرام» على سبيل المثال فإن الفوتوغرافيا هي المحور الرئيسي، وفي كثير من الأحيان هناك صور قد تكون خاطئة، في إفرازها لتلك التفاصيل، ومهمة المتذوقين والمهتمين في المجال، العمل على إعادة عرض ما هو صحيح، وفق الاعتماد على مصادر وحقائق وبحث ميداني، ففي تجربتي البحثية، لا أنسى أن كتابي استطاع توثيق حضور السيدة فاطمة سعد، التي تربت في بيت الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وتم اكتشاف مهاراتها في الخياطة، ليعمل بعد ذلك تحت إداراتها نحو 28 موظفاً، واعتمدت على يديها لاحتساب مقاسات أُناس القصر بالشبر، وأتذكر عند زيارتي لها قبل وفاتها ب 5 سنوات، استطعت تسجيل صوتها وهي تسرد حكاياتها، ما يجعلني سعيدة بأن الكتاب استطاع تخليد البعد الروحي لجمالية حضور هذه المرأة عبر التاريخ».

مقالات ذات صلة

التعليقات

لا يوجد تعليق

إضافة تعليقك


image