• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

في «ألف» حوّل الأدب إلى نوع من التحيّة الكونية لثقافة أخرى

باولو كويلو وأدب الروح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 أكتوبر 2015

د. فتحي المسكيني

في روايته «أَلِف» (ترجمة رنا الصيفي، بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، الطبعة الأولى 2011)، «القصة الجميلة المقتبسة من موروث التصوّف في الإسلام» (ص8) كما قال، حوّل باولو كويلو الأدب إلى نوع من التحيّة الكونية إلى ثقافة أخرى. قال:«كانت الثقافة العربية إلى جانبي خلال معظم أيام حياتي، تبيّنُ لي أمورا لم يستطع العالم، الذي أعيش فيه، أن يفقه معناها. واليوم، أستطيع للمرة الأولى، أن أردّ على المكرمة بمثلها...» (نفسه).

نحن نرنو إلى هكذا تساؤل: ما معنى أن نقرأ أدباً عالميّا كُتب في حضرة ثقافتنا العميقة ولكن بوسائل شعب آخر؟ بأيّ وجه يمكن اعتبار الأدب المترجَم إلى لغتنا بمثابة «مكرمة» على «هدية» روحية سابقة؟ إنّ الكتّاب الغربيين هم في واقع الأمر يردّون إلينا ما سبق أن وهبناه لهم في عصر أو عالم أو مزاج آخر؟ لا نعني بالطبع أنّ الغرب لا أصالة له، أو أنّه «أخذ عنّا» كلّ ما عنده من ثروات الحضارة، إلخ... كلّ هذه الادّعاءات الكسولة كانت ثروة جيل آخر. بل: إنّ كلّ ما هو «كوني» هو هدية عالميّة من شعب إلى آخر، وذلك في نوع من ردّ الجميل الذي يجري بلا انقطاع بين العصور.

إنّ كتابات باولو كويلو، مثل «ألف» و«الخيميائي» و«الزهير» و«الجبل الخامس» و«مكتوب»، ... هي بمثابة هدايا ميتافيزيقية إلى شعوب العالم، وكأنّها ديون متخلّدة في ذمّة الروح الأدبية لابدّ من قضائها.

جزء منسي

وقد اخترنا، صدفةً، أن نقرأ رواية «ألف» باعتبارها نموذجا حادّا عن هذا النوع من الأدب الكوني: الأدب الأجنبي الذي يُعيدك إلى ذاتك العميقة في شكل هدّية لا يمكن ردّها، لسبب واحد هي أنّها جزء منسيّ من ثروتك كمواطن في العالم.

«بالله لا، طقسٌ آخر! استحضار آخر لجعل القوى اللامرئية تتجلى في العالم المرئي !» (ص15). كذا، يعود كويلو بالأدب إلى نبضه الكوني: أنّه جملة «طقوس» لجعل «اللامرئي» يتجلى في «المرئي» في أفق شخص أو شعب ما. وبهكذا طموح وشراسة صامتة هو يضع خارطة الرواية التي يريد أن يكتبها: إنّها رحلة في أعماق الذات، وبالتالي على نحو يكسر حدود الزمان والمكان التي يرسمها «عالم اليوم»، بحيث يتحوّل عمرُ الراوي إلى مئات السنين ويعبق جسده الخاص برائحة الأماكن التي لا لقاء بينها. ومادام هناك سفر إلى أعماق الذات فعلينا أن نفتّش عن المرأة. ثمّة حبٌّ ما في حياة كلّ شخص على الأرض هو وحده الذي يروي قصّته إلى النهاية. ولابدّ أن يكون حبّاً قد دُنّس بشكل أو بآخر، وفي نحو من البراءة الفظيعة. لكنّ الأديب الكبير أو «العالمي» هو وحده من يفلح في إعادة الحبّ العظيم إلى الخدمة. يعيده إلى أداء دور تأسيسي في أفق حياة ما، ومن ثمّ تحويلها من جديد إلى قدر. ولقد جمع باولو كويلو بين المرأة والطريق إلى القدر بطريقة رائعة: بطريقة تكسر الوعي بالزمن وتنجح في فتح المكان على أبديّته الخاصة. على الراوي (الذي بلغ من العمر تسعا وخمسين سنة) أن يلتقي بالمرأة التي أحبّها منذ خمسمائة عام. وعليه أن يقطع في صحبتها الغامضة وغير المتوقعة سفراً طويلا إلى إفريقيا إلى أوروبا إلى آسيا عبر السكك الحديدية العابرة لسيبيريا معيّنة. على كلّ حبّ عظيم أن يعبر سيبيريا ما، حتى يحقّ له أن يزعم أنّه عثر على المرأة التي لطالما أحبّها في كل حيواته السابقة دون أن يعلم. إلاّ أنّ عليه ألاّ ينكر أبدا أنّه لا يبحث إلاّ عن «نفسه»، عن تلك الطريقة الأبديّة في الالتحاق بالكون، عن تلك النقطة التي تتجمّع فيها كلّ «طاقة» الكينونة، وتتحوّل إلى حبّ عابر للأجساد. ولذلك كان منذ البداية في حاجة إلى «مرشد في التقليد» (ص16) الروحي الذي يريد الانخراط فيه. يسمّيه كويلو «ج». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف