• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

نكهتان لاتينية وأفريقية في «البريكس» من دا سيلفا إلى مانديلا

«القوة الناعمة» الراقصة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 أكتوبر 2015

لا تساوي القوّة الناعمة للبريكس مثيلتها في الولايات المتّحدة بالتأكيد، لكنها تنافس بشدّة القوّة الناعمة للبلدان الأوروبية، الناطقة بالفرنسية أو بالإنجليزية أو بالإسبانية. يبدو أن البريكس ملتزمة «معركة من أجل الهيمنة الثقافية»، وذلك في موازاة محاولات تأكيد حضورها الاقتصادي والعسكري. ويمكن للمرء أن يفهم جيداً رغبة هذه الدول في تنظيم احتفالات رياضية عالمية كبرى (مثل الألعاب الأولمبية، كأس العالم للركبي، كأس العالم لكرة القدم، إلخ) من شأنها أن تحقق لهذه الدول أهدافاً عدّة، كتعزيز التماسك الداخلي، وتحسين البنية التحتية وشرعية الحكّام، والإعلان عن عظمة جديدة أو مُستعادَة على الساحة الدولية.

إن «تجمع البريكس»، والذي تبلغ مساحة دوله مجتمعةً 40 مليون كلم مربع، وعدد سكانه حوالي 3 مليارات نسمة، ويملك أكثر من خمس الناتج القومي العالمي، بات يشكل قوة عولمية مواجهة لقوة الثالوث العولمي المهيمن السائد: الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي واليابان، خصوصاً من النواحي الاقتصادية والتجارية والسياسية والأمنية، لكنه لم ولن يتمكّن من النجاح في المواجهة المتكاملة والفاعلة مع العولمة الغربية، من دون عنصر الثقافة وجاذبيتها الكبرى، وهو الأمر الذي بات محلّ انتباه في العمق لتجمّع دول البريكس، وعلى نحو غير مسبوق. وقد بدأ بالتعليم وتوجيهه كمكوّن أساس لقوة الثقافة ونهضتها. وفي هذا الصدد، كان تنادى وزراء التربية في كل من: البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب أفريقيا إلى اجتماع في مقر اليونسكو في نوفمبر من العام 2013، لوضع خطط تربوية مشتركة تكرّس التعاون الاستراتيجي في مجال التعليم.

وفي اجتماع القمة السادسة لدول البريكس في مدينة فورتاليزا البرازيلية في يوليو 2014، أكّد المجتمعون على استراتيجيتهم الخاصة بالتعليم، ليس من أجل التنمية المستدامة فقط، و«إنما من أجل مواجهة الاستلاب الثقافي الغربي الأحادي، وتكريسه على مستوى دولي، والتنافس معه ليس لإلغائه بالطبع، وإنما لمنعه من الاستمرار في إلغاء ثقافة الآخرين»، على حد تعبير الكاتب الهندي راجو ب. سينغ، والذي يردف في محاضرة له ألقاها في ساوباولو البرازيلية في يوليو الفائت 2015: «نعم إننا في دول البريكس بحاجة إلى سياسات تعليمية ذات أفق تعدّدي واحد، لخلق مثقف تعدّدي واحد في بلداننا اليقظة، يؤمن بأن الثقافة الإبداعية هي حال تعدّدية عالمية مشتركة، وطنها الحرية والإنسان في كل مكان وزمان، ولا يستطيع أحد طمسها، مهما بلغ جبروته الاقتصادي والعسكري. والثقافة والنتاج الثقافي هما، في المحصلة، ملك البشرية جمعاء، لا ملك هذا التحالف الغربي أو الشرقي، و«دول البريكس»سوف تفرض هذه المعادلة، من خلال جواذبها الثقافية العالية، والتي يحترمها الجميع، بمن فيهم الخصوم الذين يعملون على شطبها».

نكهة السامبا البرازيلية المعولمة

منذ أكثر من عقد من الزمن، عملت الإدارة البرازيلية للشؤون الخارجية على زيادة تمثيلاتها الدبلوماسية. وقد أدّى انتخاب لويس إيناسيو لولا دا سيلفا رئيساً للبرازيل في العام 2002، المعروف باسم «لولا»، إلى امتداد واضح لحراك البرازيل على المستوى الدولي. حيث بانَ الطموحُ القديم للبرازيل، وبرز تميّز قوّتها الناعمة، والمتمثّلة بتركيز «الدبلوماسية النقابية» على ماضي البلاد، وعلى شبكة علاقات الرئيس السابق لحزب العمّال، فضلاً عن تنظيم الاجتماعات الدولية مثل المنتدى الاجتماعي العالمي (FSM) في بورتو أليغري Porto Alegre في الأعوام 2001 و2002 و2003 و2005، أو في بيليم Belém في العام 2009. ومنذ العام 2011، وسّعت الرئيسة الجديدة ديلما روسيف، وهي أوّل امرأة تُنتخب رئيسة في البرازيل، من هذا الهجوم الثقافي. فانتشرت الثقافة البرازيلية في العالم من خلال قنوات أو أنساق شعبية عدّة (موسيقى، رقص، كرنفال، مسلسلات تلفزيونية، أزياء) أو من خلال أعمال نخبويّة (هندسة معمارية، وإثنوغرافيا، كابويرا، مسرح). ففي 23 مايو 2008، وقّعت 12 دولة من أميركا الجنوبية في برازيليا معاهدة إنشاء اتحاد دول أميركا الجنوبية (يوناسور Unasur: Unión de Naciones Suramericanas). ولئن كنّا بعيدين عن حلم «الوطن الأميركي اللاتيني بأبعاده السياسية والثقافية» لسيمون بوليفار Simón Bolívar في القرن التاسع عشر، فإن اتحاد دول أميركا الجنوبية Unasur يعمل على تقوية الهويّة السياسية والثقافية التي يمكن أن تؤدّي، في نهاية المطاف، إلى مشروع اتحادي ملموس على غرار الاتحاد الأوروبي، مع ما يتضمّنه ذلك من عملة موحّدة، وبرلمان، ومواطنة، وجواز سفر مشترك، أو تحالف عسكري.

نعم، فمصطلح «ثقافة كرة القدم» تقدّم على ما عداه في السنوات السبع الأخيرة، بخاصة بعدما أعلنت «الفيفا» اختيار البرازيل لاستضافة الدورة الأخيرة الفائتة (2014) لبطولة كأس العالم. ومع ما يعنيه اسم البرازيل من إيقاع قوي ودامغ على صعيد هذه الرياضة الشعبية، ومؤثراتها الثقافية المتبادلة بين شعوب الأرض قاطبة، بدأت تتكرّس من جديد مسلّمة أن رياضة كرة القدم، ليست ثقافة شعبية فقط، وإنما هي نخبوية أيضاً، تحدث عنها، وكتب بوحيها، كبار الكتّاب والروائيين في العالم أمثال الكولومبي غابرييل غارسيا مركيز، والذي كان لاعباً في فريق «أتليتيكو جونيور» الكولومبي، ولم يترك اللعبة إلا بعد إصابته إصابة بالغة في بطنه. وكان صرّح مرة للإذاعة المكسيكية: «ثمة إبداع ذهني وبدني مشترك في كرة القدم، يجتمعان في الممارسة الفردية الحاذقة، التي تُنزل الخيال بجبروته إلى ميدان الواقع». وكتب الروائي الإيطالي إمبرتو إيكو العديد من المقالات حول هذه اللعبة جاء في إحداها:«إنها أوركسترا بشرية تعصف أنغامها في أرواحنا، تماماً مثلما تعزف في أرواح معدّيها على المربع الأخضر». كما صرّح الروائي البرازيلي جورجي آمادو في حوار أجراه معه الناقد الارجنتيني رودلفو كارينباري:«سحر لعبة كرة القدم يهيّمن عليّ باستمرار، ولو كنت لاعباً محترفاً لزاوجت بين ملعبين: ملعب الكرة، إلى جانب مزاولتي ملعب الكتابة». أما الكاتب الأرغواني إدواردو غاليانو، فوضع كتاباً حول هذه اللعبة سمّاه: «في الكرة وفي الشمس وفي الظل»، ذكر فيه أن هذه اللعبة تتكلم بجميع اللغات، وتطلق الأهواء وتلهب المشاعر والأفئدة». كما تحدث غاليانو عن الكاتب الفرنسي الكبير ألبير كامو، عندما كان حارساً لمرمى نادي فريق جامعة وهران الجزائرية. وبالفعل كان البير كامو عاشقاً لكرة القدم، حتى في قمة اغترابه وتعقّد موقفه الفلسفي الوجودي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف