• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

دول البريكس.. هل ستخوض المعركة مجتمعة بـ«قوتها الناعمة»؟

صراع الجاذبيات الثقافيّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 أكتوبر 2015

هكذا إذاّ، لا يتمّ قياس القوّة من خلال الميزانيات الاقتصادية والعسكرية فقط. فالموارد غير المادية أو «القوّة الناعمة» (الجاذبية الثقافية، النتاج الفكري والفني، الإشعاع العلمي، المساعدات الإنسانية، وما إلى ذلك) ضرورية للدول لفرض نفسها في المؤسّسات الدولية، وفي العلاقات الثنائية، ولدى الجمهور العام. ومفهوم «القوّة الناعمة» مستخدَم في العلوم السياسية، بغية فهم جذور استمرار الهيمنة الأميركية على العالم، إذ العامل الثقافي في العلاقات الدولية له ثقله الرمزي الكبير والخطير للغاية هنا، بخاصة في إطار ما بات يسمى بـ«البعد الرابع للسياسة الخارجية الأميركية»، وربما غير الأميركية أيضاً، بوصفه بعداً مضافاً إلى أبعاد النفوذ التقليدية الثلاثة المتعارف عليها: السياسية، الاقتصادية والعسكرية. وهكذا يمكن استيعاب مفهوم القوة الناعمة الثقافية هنا لالتقاط النمط الآخر من حضور دول البريكس على الساحة الدولية.

في الجاذبية الثقافية الصينية

لم تقتصر جهود التحديث الحكومي في الصين على الجانب الاقتصادي والعسكري فقط، إذ تقوم الصين بصوغ صورتها من خلال قنوات عدّة: دبلوماسية وثقافية وأكاديمية. وتتميّز الثقافة الصينية بالجاذبية البسيطة و الغامضة في آن (فلسفة، حكمة، موسيقى، أوبرا، مطبخ صيني، وشم..)، بحيث أصبحت هذه القدرة على الإغراء، حالياً، عنصراً من عناصر السياسة الخارجية الصينية. وبالتالي، لئِن كان لدورة الألعاب الأولمبية التي أُجريت في بكين وظيفة داخلية (تقوية الشعور بالاعتزاز الوطني وشرعية الحزب الشيوعي الصيني PCC)، فإنها أسهمت كذلك في بناء هذه القوّة الناعمة ، بقدر ما أسهم في ذلك أيضاً معرضُ إكسبو العالمي، الذي أُقيم في شانغهاي في العام 2010 (الأولمبياد الاقتصادية).

على مدى عقد من الزمن، قامت الحكومة الصينية بتعزيز شبكات الاتصال والتواصل (الإنترنت والصحافة والتلفزيون) وإتاحتها أمام الجمهور غير الصيني. كما عزّزت معاهد كونفوشيوس التي تتيح تعلّم اللغة الصينية المعروفة باسم الماندرين، وبنشر الممارسات الثقافية (الخطّ الصيني)، وذلك من خلال مراكزها المختلفة في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية. وقد تمّ إحصاء أكثر من 330 مركزاً ثقافياً صينياً في جميع أنحاء العالم في العام 2014، بما في ذلك 18 مركزاً في فرنسا وحدها. وتشير التقديرات إلى أن أربعين مليون أجنبي يتعلّمون اللغة الصينية. ومعهد كونفوشيوس الصيني، بات يضارع ويتجاوز نظراءه المتوزعين مثله في عواصم العالم:المركز الثقافي البريطاني، والجمعية الثقافية الفرنسية، ومعهد غوته الألماني، ومركز جون ف. كينيدي الأميركي. وتزيد الجامعات الصينية شراكاتها مع مؤسّسات أجنبية، وتكيّف مضمون مناهجها الدراسية، وأشكال هذه المناهج، لتحقيق النجاح في السباق العالمي للتميّز. وهناك 267 ألف طالب أجنبي وافد في الصين. وقد احتلت كل من جامعة تشينغوا وجامعة بكين الصينيتين المرتبتين 49 و52 على التوالي، من بين 200 جامعة ممتازة في العالم، بحسب القائمة التي نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، وفقاً لمؤشر التعليم الجامعي.

هذه الرغبة في أن تكون الصين جزءاً من نخبة نادي الكبار في العالم، تنعكس أيضاً في مختبرات الأبحاث «شيان» Xi’an أو «شنتشن» henzhen أو في صالات الفنّ المعاصر في بكين أو شنغهاي.

وبالمثل، فإن صناعة السينما الصينية، التي تهيمن عليها منذ فترة طويلة «سينما صُنع في هونغ كونغ»، فرضت نفسها في المنطقة والعالم، وصار «مهرجان بكين الدولي للأفلام السينمائية» قبلة أنظار مدمني الفن السابع ونقاده في الشرق والغرب. وقد سجّل في دورته الثالثة اشتراك أكثر من 850 مؤسسة وشركة صينية عاملة في القطاع السينمائي، وبحضور أربعة آلاف مشارك، بينهم مشاهير نجوم السينما الصينية والعالمية أمثال: نجم أفلام «الأكشن» «جاكي شان»، والمخرج الشهير «تشانغ يي موه»، والمخرجة «آن هوي»، وهي واحدة من أكثر المخرجات السينمائيات الصينيات إثارة للجدل فنياً وسياسياً، داخل الصين وخارجها. وقد حصدت على فيلمها «العصر الذهبي» في الدورة التاسعة والثلاثين لمهرجان هونغ كونغ جائزة أفضل مخرجة. تقول «آن هوي»: «إن على السينمائيين الصينيين والآسيويين، مخرجين وممثلين ومنتجين، أن يكسروا احتكار هوليوود لسوق السينما العالمية، خصوصاً وأن مستوى أفلامها (أي هوليوود) في السنوات الأخيرة، قد تراجع عما كان عليه في العقود السابقة، وبدرجات مفارقة جداً. وأن هذه السينما الأميركية ذات الإنتاج الفيلمي الضخم، ستظل تتراجع، طالما أنها ما تزال وحتى الآن، تعيش مغرورة وبخيلاء على أمجادها القديمة، ولا تستأنف نهضة فيلمية جديدة مغايرة لكل ما سبق. أنا ضنينة بالسينما الأميركية في أن تتراجع، لأنني أحبّها كسينما، ومعجبة بإنجازاتها، بل نشأت على عشق هذه الإنجازات الفنية الرائعة، ففي النهاية الفن السينمائي، وغير السينمائي، هو ملك البشرية جمعاء وليس ملك من ينتجه فقط». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف