• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

بول ريكور يضع مشاعر الإنسان تحت «مبضع» الأسئلة الفلسفية واللاهوتية

تأمّلات في الحبّ والعدالة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 أكتوبر 2015

د. أمّ الزين ينشيخة المسكيني

عن الحبّ كتب القدامى إمتاعا ومؤانسة، غزلا ومدحا، ووقوفا على الأطلال غير مرّة، وعن أخبار العشّاق نُظمت رسائل وكتب تسلية للملوك ودفعا للسأم عن النفس «بإسعافها بالمفاكهات الأنيقة والأخبار اللطيفة الرشيقة لتنشط من عُقال التعب وتستريح فتعود إلى المطلوب منها خفيفة من كل الوصب والنصب» (داوود الأنطاكي، تزيين الأسواق في أخبار العشّاق). أمّا اليوم في عصر الاكتئاب العالمي والخوف من المستقبل، فإنّ الحبّ قد تصيّر إلى شأن آخر. لم يعد الحبّ حقلا أيروسيا جذّابا لاستعارات الشعراء أو لأناقة الأدباء، بل صار إلى موضوعة إتيقيّة سياسيّة بامتياز بل إنّ الحبّ هو شأن فلسفيّ عميق أيضا.

إنّ «ظلّ الحبّ» صار يؤرق الجميع. وهو ما يتبدّى لنا بديّا في الدعوات الفلسفية الراهنة لاستعادة القدرة على الحبّ. وهي دعوات تراوحت بين الحبّ كموضوعة للتأويل والحبّ كاقتدار للتغيير. وفي كلتا الحالتين، إنّما يكون الحبّ أكثر من نزوة فرديّة إنّما هو اقتدار كونيّ على اختراع الحياة المشتركة (نيغري) أو هو قدرة إتيقية على المصالحة بين ما السعادة والواجب، بين العدالة كتطبيق صوري للقوانين والعدالة التوزيعية كشكل من الإنصاف والتكافل الاجتماعيّ (بول ريكور).

سوف نكتفي في هذا المقال بقراءة نقديّة لنصّ للفيلسوف الفرنسي بول ريكور تحت عنوان «الحبّ والعدالة» انطلاقا من ترجمته العربية لحسن طالب.

الحبّ والعدالة

تشكيلة طريفة من المعاني وشبكة لطيفة من الأصوات التي تتصادى، عنوان مثير يفصل المقال بين مفهومين من المفروض ألاّ يلتقيا في ثنائي واحد. ذلك أنّ الحبّ يحلم فقط، في حين أنّ العدالة تحاسب وتعاقب. وذلك أنّ الحبّ عطاء بلا حدود لكنّ العدالة ميزان وشهود. وفي حين لا يملك المحبّ غير حلم صغير، فإنّ صاحب العدالة يملك الواقع كلّه. رغم ذلك يصرّ الفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ريكور على ضرب من المصالحة بين الحبّ والعدالة. هل ثمّة حبّ عادل أم أنّ كل حبّ إنّما هو في جوهره حبّ ظالم على نحو ما؟ هل أنّ العدالة قادرة على الحبّ؟ ومتى كان صاحب السيف محبّا؟ في حضارة يسبق فيها السيف العذل.

إنّ ثنائي «الحب والعدالة إنّما هو وسيط منهجي رمزي للتفكير تأويلا بالتوتّر بين اللاهوتي والسياسي في ضرب من المصالحة بين الفلسفة والنصّ المقدّس. وهو ما يصرّح به الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بوصفه المفكّر - النموذج بامتياز للمصالحة بين الفلسفة واللاهوت، على نحو فلسفي أنيق وحصيف وعميق، عن نصّه حول «الحبّ والعدالة» بما هو «التفكير حول اللاهوتي - السياسيّ في مواجهة مع إشكاليّة خيبة أمل العالم». نعم ثمّة خيبة أمل كبرى من العالم. خيبة أمل جعلت العالم نفسه «يفقد قدرته على أن يكون عالما». وفق عبارة للمفكّر المعاصر جون لوك ناننسي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف