• الأحد 28 ربيع الأول 1439هـ - 17 ديسمبر 2017م

سامي محمد·· مراحل نحتية مفرطة في القسوة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 19 فبراير 2007

الشارقة ـ إبراهيم الملا:

في إطار الملتقى الشهري لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، أقيمت مساء أمس الأول بمقر الجمعية بالشارقة، ندوة نقدية (أقرب للاحتفاء) لتجربة الفنان الكويتي المتميز سامي محمد صاحب العطاءات الفنية العديدة والممتدة في مجال اللوحات الزيتية والأعمال والتنصيبات النحتية التي صورت حالة الرعب والحصار والتنكيل بالجسد البشري.

حضر الندوة عدد من الفنانين والمتابعين والمهتمين بتجربة الفنان سامي محمد، وقدم لها الناقد والفنان طلال معلا الذي عرج في بداية حديثه على السيرة الذاتية والإبداعية للفنان، وذكر أنه من مواليد العام ،1943 وفي العام 1962 حصل على منحة التفرغ ودرس الفن في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة وتخرج في العام ،1970 وفي نفس العام حصل على الدبلوم التقديري من فرنسا، ثم أوفد للدراسة في الولايات المتحدة، وقام هناك بإعطاء بعض الحصص الدراسية للطلبة، نظرا لتمكنه وإحاطته بفنون المنظور الأبعاد المتعلقة بالجسد الإنساني.

ودعته دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة في العام 1994 لإقامة معرضه الشخصي الذي احتوى على خلاصة تجربته الفنية الطويلة والتي مثل من خلالها بلاده في المعارض الدولية العديدة في كندا واسبانيا وبرلين وإيرلندا وفرنسا وسواها من البلدان.

وذكر الناقد طلال معلا في معرض حديثه أن سامي محمد يتميز بتفرد واستقلالية تجربته الفنية مقارنة بالمحترف الكويتي الذي عاصره في بلده والذي كان أسيرا للجو الفني السائد والقائم على أشكال التعاطي الكلاسيكي والانطباعي المشحونة بتعابير تراثية وتزيينية صرفة، وهذه الفرادة التي تمتع بها سامي محمد لم تأت من قدراته التقنية والمعرفية فقط، بل إن منبعها الأساس انطلق من ترجمته الصادقة للأزمات الروحية والسياسية والاجتماعية المقيدة للإنسان ولحريته في الوجود والتعبير. لقد توزعت إمكانات الفنان سامي محمد على مستويين تعبيريين هما الرسم والنحت، وقد بدأ تجاربه المتماسة مع البيئة والمكان من خلال البحث والتجريب والوصول لصيغة فنية مبدئية أطلق عليها: ''مرحلة المنحنيات'' وهي المرحلة التي سعت لرصد الذات الإنسانية في حالات تأملها العام من خلال المزاوجة بين الخط واللون. وعن الفترة النحتية في تجربة الفنان أشار معلا إلى أن هذه الفترة اعتمدت على النحت في مواد مختلفة مثل خشب الساج والجبس والبرونز واستطاع من خلالها أن يقدم مجموعة من الإلماحات الإنسانية الموجهة للمرأة والأنثى والحس الأمومي، ودللت هذه الأعمال على أن النظرة الفنية إلى التراث لا تعني التعلق بالأشكال الرمزية الأولى التي نراها في المستوى الفيزيائي المباشر والمتداول، لأن هذه النظرة يجب أن تخترق القشرة الظاهرية وتتعرف على الروح الأصلية والداخلية لهذا التراث. حتى تتشكل الحالة المعاصرة والمستقبلية التي يمكن من خلالها قراءة العمل الفني بتجرد وفهم وحيادية.

وتناول طلال معلا في سياق الندوة الاتجاه النحتي القاسي في تجربة الفنان والتي أتت موازية للتغيرات الاجتماعية والانقلابات السياسية التي عصفت بالإنسان العربي وجعلته مقيدا ومحاصرا بتقنيات التعذيب الروحي والجسدي، فأتت مرحلة ''الصناديق'' كتعبير نحتي مفرط في القسوة، ومعبر بقوة عن حالة الهلع الداخلي والفيزيائي الذي يحط من كرامة الفرد ويجعله أسيرا لزنازين نفسية وأخرى واقعية، وهذه الصناديق كانت أقرب للأشكال التابوتية أو للسجون الضاغطة على هذا الجسد المكبوت والمنفي والمدان، وهي أعمال رغم قسوتها الظاهرية تحمل في طياتها بعض المنافذ المتفائلة لخروج الإنسان من زنازين كثيرة مثل زنزانة التقاليد، وزنزانة اللامعرفة، واللاوعي والاحتلال الذهني، ففي كل حالة حصار هناك إمكانيات مفتوحة للثورة والتمرد وكسر الحواجز والعوائق المادية والمعنوية على السواء. لقد صور الفنان سامي محمد حالة الإنسان المقهور والساعي في ذات الوقت لتجاوز عذاباته القهرية وإخراجها من طوق المهانة والذل والعبودية، وبكافة أشكالها الفكرية والجسدية القائمة على الاستغلال الأحادي والأنانية العنصرية وخرافة التفوق العرقي... إلخ، ولأن هذه الأعمال توجهت للإنسان أينما كان، ومن دون ملامح أو إشارات جغرافية وإقليمية، فإنها استطاعت أن تخرج من نطاقها المحلي وتصل للنطاق العالمي الذي رحبت به جميع المحافل والمعارض الفنية في مختلف دول العالم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال