• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

شهرة وتشهير

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 18 أكتوبر 2015

قبل أكثر من أربعين سَنة من الآن، كانت مجالات الشهرة تقتصر على الظهور الإعلامي من خلال الإذاعة والتلفزيون والمطبوعات وخشبة المسرح والسينما، ومشوار الشهرة من خلال هذه الوسائل التقليدية كان وما زال يُعتبر شاقاً ويحتاج إلى الكثير من الجهد والمهارات العلمية والتضحيات على الصعيد الشخصي، ولم تكن الشهرة حينها تشغل بال الكثيرين.

وبعدها بسنوات تغير مفهوم صناعة المشاهير على مستوى العالم من خلال تطوير الوسائل التقليديّة، وبدأنا نرى ما يُسمى تلفزيون الواقع الَّذي اعتمد على الشهرة من خلال التركيز على مهارات وهوايات الأفراد، وشكل تلفزيون الواقع نوعاً من التسهيلات والسرعة في الظهور الإعلامي، وبالتالي زادت شريحة الراغبين بالشهرة حتى طرأت بعض التغيرات في سياسة صناعة المشاهير، وأصبح الموضوع تجارياً بشكل جشع، وساد الاحتكار للشخصيات وكثرة المحسوبيات والمجاملات بشكل مبالغ فيه.

وفي أيامنا هذه، وتقريباً منذ أربع سنوات، تدخلت التكنولوجيا في صناعة المشاهير بمفهوم جديد وتغيير جذري ليس له علاقة هذه المرة بالوسائل التقليدية، بل من خلال إضافة نوافذ جديدة لصناعة الشهرة بشكل ذاتي عبر التطبيقات الذكية في الهواتف المتحركة مثل تطبيق «سناب شات».

وعلى الصعيد المحلي، لاحظت الاهتمام الكبير الذي يوليه شبابنا لهذا التطبيق بالذات، والسعي وراء الشهرة من خلاله، فما أم تفتح التطبيق حتى ترى مُتحدثاً عن السياسة وآخر عن الدين والموضة والجمال وتفاصيل الحياة اليومية، وهناك من لم يتجاوز سن الحادية والعشرين يلعب دور المُصلح الاجتماعي، ويخوض في مواضيع الزواج والطلاق وهو لم يتزوج بعد أو لم يُنه دراسته الجامعية، وأصبح الموضوع برمته موُضة، في ظل غياب رقابة الأسرة أو اعتياد الأمر عند الأسرة باعتبار أن هذه البرنامج نوعاً من البرستيج والحداثة.

ولجذب شريحة أكبر من المتابعين، أصبحنا نرى البعض يتعمد ترك بعض المبادئ كتحريف الأسماء الشخصية بِمدها أو كسرها بطرق تُقلل من رجولة وهيبة صاحبها، وهناك من يتخذ اسماً مؤنثاً لشخصيته كأمر عادي من دون حياء، ورأينا التصنع في الكلام وتقمص المثالية في طرح المواضيع، وأصبح الأمر خارج السيطرة، وكأن مجتمعنا ليس به عادات وتقاليد تحكمه، فهذه البرامج تتعمد كسر الأعراف والخروج عن المألوف من خلال مفهوم الخصوصية والحريّة التي في واقع الأمر هي أداة للتشويه إنْ لم تستغل بشكل كفؤ، فما نراه ليس بخصوصية، بل هو انتهاك للخصوصية بالرضا، وخضوع لعبودية هذه البرامج والمُتابعين عن طواعية، وهذا تحرر غير مرغوب فيه، وبالفعل وصل العديد من الشباب للشهرة المحلية من وراء الكلام والطرح المتكرر المفتقر للقيمة النوعية، وقد يتفق معي البعض بأن الأمر له سلبيات وإيجابيات، وهنا يأتي دور المسؤولية الذاتية والأسرية والمجتمعية من خلال الانتقاد البناء والفوري لكل ما نتفوه به، فلا يجوز المغالاة في الدين ولا التحيز في السياسة ولا التكهن فيما لا دراية لنا به من أجل الشهرة وإنْ كان هناك من يستحق أن ندعمه ليشتهر، فعلينا بالطلاب النبهاء والموظفين المبدعين والأُدباء والمبتكرين، فلنساهم لإبراز كل ما هو طيب في مجتمعنا، ولنفخر بهم في كل محفل بدلاً من صناعة شخصيات لا تمثلنا لا في اللهجة ولا في الفكر ولا في المظهر والزي الذي يظهرون به عبر قنوات التشهير المستحدثة.

سيف تويلي النعيمي - العين

محلل مالي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا