• الاثنين 22 ربيع الأول 1439هـ - 11 ديسمبر 2017م

قرنان على رحيل كانط (3)

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 17 فبراير 2007

نسيان الوجود

إن الشعار الذي رفعه مارتن هيدغر الشاب كان شعاراً ينطوي على مفارقة، بل كان نقدياً لجميع الفرقاء. وهو شعار عن تأويلية للوقائعية. والحديث عن ''تأويلية للوقائعية'' هو بطبيعة الحال، يشبه الحديث عن ''حديد من خشب''. فالوقائعية تعني بالضبط المقاومة الصلبة التي يبديها الواقعي في وجه كل محاولة للإدراك والفهم، وهي تعني في صياغة هيدغر لها التحديدَ الأساسي للدزاين. وهذا الدزاين بالطبع ليس مجرد وعي ووعي ذاتي. ففهم الوجود، الذي يميز الدزاين من جميع الكائنات ويكوّن بنيته التأويلية، لا يمكن أن يتحقق من خلال إبرازِ تكوين فكري يرفع نفسه فوق جميع الكائنات الطبيعية. إن فهم الوجود، الذي يميز الدزاين بأن يضطره إلى مساءلة معنى الوجود، هو نفسه فهمٌ تتلبسه المفارقة إلى درجة عالية. ذلك أن السؤال المتعلق بمعنى الوجود ليس كمثل الأسئلة الأخرى المتعلقة بالمعنى التي يُفهم فيها ''شيء معطى'' من خلال مقارنة معينة بما يكوّن معناه. فالدزاين الذي يُعنى بمعنى وجوده الخاص يجد نفسه بمواجهة طبيعة وجوده الخاص التي لا يمكن القبض عليها. فبصرف النظر عن المدى الذي يمكن أن تبلغه قدرة الموجودات الإنسانية في انشغالها بفهم كل شيء وأي شيء، فإن سؤال المعنى المتعلق بوجودها وبقدرتها الخاصة على فهم نفسها، وهو سؤال لابد من أن تطرحه على نفسها، يصادف تخماً لا يمكن عبوره. فالدزاين هو ليس فقط الأفق المفتوح لممكناته الخاصة ليرتمي فيها، إنما هو، بالأحرى، يواجه داخل ذاته وقائعية لا يمكن عبورها. ربما يختار الدزاين وجوده كما يذهب فكر كيركغارد بخصوص الطبيعة الخلقية في اختيار الدزاين بين ''أما/أو''، ولكن هذا الإنسان من خلال هذا الاختيار فإنه، في الحقيقة، يتخطى وجوده الخاص إلى ما كان ''منقذفاً'' فيه سلفاً. فالانقذاف والشروع يؤلفان تكوينه الأساسي المتكامل. ينطوي هذا النقد على نقد لفريقين؛ نقد لمثالية هوسيرل المتعالية من جهة، ونقد لفلسفة الحياة كما صاغها دلتاي وماكس شيلر من جهة أخرى. فمهّد هذا النقد الثنائي، أيضاً، مسلكاً جديداً إلى كانط الأصلي.

كان نقد هيدغر لهوسيرل موجهاً إلى الطبيعة غير القابلة للتحديد لوجود الوعي أكثر من أي شيء آخر. فهيدغر الذي ترعرع في كنف فكر أرسطو اكتشف تراث الفكر الإغريقي المجهول، والفعال في فلسفة الوعي الحديثة. فتحليله للدزاين الواقعي، وهو تحليل استهلّ به عرض سؤال الوجود، أدانَ بوضوح ''الذات الوهمية، والمثالية'' التي تحيل عليها باستمرار فلسفة الوعي الحديثة عندما تسوّغ التشيؤ. من الواضح، أن هذا النقد الذي كان يثيره هيدغر لم يكن نقداً محايثاً. فهو، في الحقيقة، كان يحدق في خلل انطولوجي عندما انتقد تحليل هوسيرل لوعي الزمان والوعي الذاتي كونه تحليلاً متحيزاً. وخلف هذا النقد ثمة نقد للإغريق أنفسهم؛ نقد، لا يتوارى أمام الأنظار، موجَّه إلى ''سطحيتهم''، وإلى أحادية منظورهم الذي فهموا من خلاله مخطط وشكل موجود ما، ومن خلال هذا الموجود الثابت فكروا بوجوده. وبالمقابل، لم يُطرح مطلقاً سؤالُ الوجود الذي يملي سلفاً جميع التساؤلات المتعلقة بوجود الموجودات. فانطلاقاً من الأفق الزماني، تكون ''الموجودات'' موجودات راهنة، ومن الجلي أن هذا لا يتناسب مع التكوين الأصلي للدزاين، الذي هو ليس راهناً، ولا هو عقلاً راهناً، إنما هو في الحقيقة موجود مستقبلي وموجود ينطوي على الهَمّ رغم وقائعيته.

ومن الجهة الأخرى، لم يكن المقترب الهيدغري الجديد موجهاً ببساطة إلى الأساس الذي قام عليه مفهوم الحياة عند دلتاي. فهو في الحقيقة أدرك في بحث دلتاي المتواصل عن أساس نهائي للحياة توجهاً نحو فهم أعمق لما نسميه عادة الفكر أو الوعي، غير أن مقاصده كانت انطولوجية. فأراد القبض على تكوين وجود الدزاين من جهة وحدته الباطنية لا من جهة التوتر الثنائي القائم بين دافع الحياة الغامض وصفاء الوعي الذاتي للروح. ولهذا السبب بالضبط انتقد شيلر، فهو أيضاً ظل رهين هذه الثنائية. لذلك، ففي الفترة التي كان فيها هيدغر في طريقه لأن يُعمِّق انطولوجياً مقتربَه نحو فلسفة للحياة، وفي أثناء انغماره في نقد فلسفة الوعي الحديثة، أقول في أثناء ذلك اكتشف هيدغر كانط. وما اكتشفه هيدغر، في الواقع، هو كانط الذي ضاع بين حجب الكانطية المحدثة وتوضيحها الظاهراتي: أي الإحالة على المعطى. فالدزاين ليس تصوراً ذاتياً حراً ولا إدراكاً ذاتياً يبلغه الفكر، إنما هو وجود متجه نحو الموت، وهذا يعني أنه متناه من حيث الجوهر. وبسبب من تناهيه هذا كان هيدغر قادراً على أن يتعرف على هاجس استبصاراته في مبدأ كانط حول التفاعل بين الفهم والحدس، وحول تقييد استخدام الفهم في عالم الخبرة الممكنة. فالخيال المتعالي، وهو القدرة المحيرة التي تحملها الروح الإنسانية، التي يتعاون فيها الحدس، والفهم، والتلقي، والعفوية؛ إن هذا الخيال أتاح لهيدغر أن يؤول فلسفة كانط كميتافيزيقا المتناهي. فوجود موضوع ما لا يتحدد بالإحالة على روح لا متناهية (كما هو شأن الميتافيزيقا الكلاسيكية)، ولكن الفهم الإنساني في انفتاحه على تلقي ما هو معطى هو الذي يحدد موضوع الخبرة.

وبطبيعة الحال، رأى هيدغر لاحقاً أن نسيان الوجود هو أكثر ما كان يميز فلسفة كانط، فتخلى عن أية محاولة لتأسيس فهم ميتافيزيقي لعرضه الجديد لسؤال الوجود على تناهي الدزاين. ولقد حدث هذا من جراء هجران هيدغر في ''منعطفه'' مفهومَ التأمل المتعالي. وبعد ذلك، تلاشت النغمة الكانطية من تفكيره، وتلاشت معها جميع صلاته بنقد كانط للميتافيزيقا العقلانية. وفي أي حال، يظل مفهوم الفلسفة النقدية الترياقَ المنهجي الثابت الذي لا يجوز للفلسفة تناسيه.

إذا ما اقتفى المرء مقاصد فلسفة هيدغر اللاحقة، كما فعلت أنا ذلك في فلسفتي التأويلية، وحاول استخدام هذه المقاصد براهينَ على الخبرة التأويلية، فسيجد نفسَه مرة أخرى في منطقة خطرة من فلسفة الوعي الحديثة. وبهذا الخصوص، فإن خبرة الفن تنقل ما هو أكثر مما يقدر الوعي الجمالي على إدراكه. فالفن هو أكثر من كونه موضوعاً للتذوق، وأكثر حتى من تذوق الفن بصورة غير غرضية. وخبرة التاريخ أيضاً، التي نتمتع بها جميعاً، لا يغطيها ما نسميه الوعي التاريخي إلا بدرجة ضئيلة فقط. فالتوسط بين الماضي والحاضر، بين الواقع وقوة الماضي الفعالة، هو ما يحددنا تاريخياً. فالتاريخ هو أكثر من كونه موضوعَ وعي تاريخي. وعليه، فإن الأساس المرجعي لهذه الخبرة هو فقط ما يفصح عن نفسه في التأمل الشامل لإجراءات العلوم التأويلية، وهو ما يمكن أن ندعوه بالوعي المتأثر بالتاريخ. فلهذا الوعي وجود أكثر من كونه وعياً؛ أي أنه متأثرٌ ومحدَّد تاريخياً أكثر مما نتصور أنه مؤثِّر ومحدِّد تاريخياً.

هانز جورج غادامير

ترجمة: د. حسن ناظم