• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

احتياطات الصين الهائلة من سندات الخزينة الأميركية، تربو قيمتها على تريليون دولار أميركي، وعملت على مراكمتها على مدى سنوات عديدة

الاستحواذ الصيني على الديون السيادية الأميركية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 أكتوبر 2015

كثير من الناس الذين تحدثت إليهم في الآونة الأخيرة، يشعرون بالقلق جراء الاستحواذات الصينية على سندات الدين السيادي الأميركي. الفكرة العامة التي تدور في أذهانهم، أن الصين لو قررت التخلص من سندات الخزينة الأميركية، فإن اقتصاد الولايات المتحدة سيدخل مرحلة من التدهور السريع والمتلاحق. وهذا مجرد جزء من الرواية العامة، التي يستشهد بها «دونالد ترامب»، وآخرون، ومغزاها أن الولايات المتحدة تخسر حالياً أمام الصين. هذه الرواية كانت تبدو مقبولة ظاهرياً، ولكن وبعد أن أوشك الازدهار الصيني الهائل على الوصول لمشارف النهاية، فإن ما يتبين لنا أن هذه الرواية لم تكن صحيحة، على النحو الذي كان الكثيرون منا يتخيلونه. وقد بدت لنا هذه الحقيقة في أوضح تجلياتها، عندما بدأت الصين مؤخراً في التخلص من سندات الدين الأميركي. ومن المعروف أن الصين كانت قد اشترت في السنوات الماضية كميات كبيرة من تلك السندات، بغرض إبقاء قيمة عملتها منخفضة، كي تتمكن من تصدير كميات كبيرة من المواد والسلع المختلفة للسوق الأميركية بأسعار منخفضة. ولكن عندما تباطأ الاقتصاد الصيني، فإن عملتها المحلية «اليوان» تعرضت للضغط، مما دفعها في أغسطس الماضي للسماح لليوان بالانخفاض بدرجة ما. ولكن الصين، ومنذ أقدمت على تلك الخطوة، تحرص على التدخل في أسواق صرف العملات الأجنبية، للحيلولة دون انخفاض «اليوان» بمعدل أسرع مما يلزم.

من الحقائق الاقتصادية المعروفة، أنك إذا أردت أن تدعم عملتك المحلية، فالواجب عليك أن تشتريها. وأنت تفعل ذلك بالطبع باستخدام احتياطاتك من العملات الأجنبية، وهو بالنسبة لحالتنا هذه يتمثل في احتياطات الصين الهائلة من سندات الخزينة الأميركية، والتي تربو قيمتها على تريليون دولار أميركي، والتي عملت على مراكمتها على مدى سنوات عديدة. ولكن بيع الصين لسندات الدين الأميركية، لم يؤد كما هو متوقع إلى انخفاض كبير في أسعارها. الذي حدث بدلاً من ذلك هو أن الصين عندما خرجت من السوق، فإن مستثمرين آخرين حلوا محلها، وبالتالي أصبح الطلب على السندات الأميركية أوسع وأعمق مما توقع كثيرون. وهكذا فإن سيناريو «يوم القيامه» الذي كان الجميع يخشونه، لم يتبلور على أرض الواقع. وفي الحقيقة أن هذه هي المرة الثانية في السنوات الأخيرة التي يحدث فيها شيء مثل هذا. كانت المرة الأولى عندما أقدم «الاحتياطي الفيدرالي» على تقليص برنامج «التيسير الكمي» لشراء السندات عام 2014، حيث كان التأثير الفعلي على معدلات أسعار الفائدة على سندات الخزينة الأميركية، جراء هذه الخطوة، يكاد يكون منعدماً.

هاتان القصتان يجب أن يظهرا لنا أن الناس الذين يشترون أصلاً من الأصول الآن، ليس هم فقط الراغبون في الشراء بسعر يقترب من أحدث سعر لتلك الأصول، مما يعني من ناحية أخرى أن عدد المستثمرين في مختلف أنحاء العالم الراغبين في شراء سندات الدين الأميركي السيادي بسعر يقترب من السعر الحالي، ضخم للغاية، كما يبدو. ما السبب في ذلك؟ السبب هو أن الدولار الأميركي ينظر إليه في العالم على أنه ملاذ، بمعنى أنه عندما تضرب الاضطرابات وحالات العسر المالي الكرة الأرضية، كما حدث خلال السنوات الماضية، فإن الجميع يحاولون أن يجدوا ملاذاً من خلال شراء سندات الخزانة الأميركية. يشار في هذا السياق إلى أن الولايات المتحدة تكاد تكون الدولة الوحيدة في العالم التي تقوى عملتها وسط المصاعب الاقتصادية، بدليل أنه في حالة الركود الذي يضرب العالم منذ 2008 كان الدولار الأميركي هو العملة الأقل تأثراً على الإطلاق بين كل العملات. وهذه الحقيقة تجعل من الدولار الأميركي عملة الاحتياطي المفضلة بالنسبة للكثير من دول العالم. لذلك فعندما تسأل نفسك: من الذي سيشتري سندات الدين الأميركي؟ فإن الإجابة هي: الجميع تقريباً. بالطبع يمكن أن يكون لذلك مردوده السيئ في الأجل الطويل. فعندما يسعى الجميع إلى شراء أصولك باعتبارها الملاذ الأخير لتكديس الأموال، فإن ذلك يرفع من قيمة عملتك، ويؤثر سلباً على تنافسيتك في الأسواق العالمية، بما يؤدي إلى استمرار العجز في ميزانك التجاري.

بعبارة أخرى: يمكن القول إنه لشيء جيد في الحقيقة أن الصين والاحتياطي الفيدرالي لم يكونا ضروريين لسوق سندات خزينتك في الفترة الأخيرة، أما في المدى الطويل فإن ذلك- ضرورة الاحتياطي الفيدرالي والصين- يعد جزءاً من المشكلة البنيوية التي تؤثر سلباً على الاقتصاد الأميركي. وقد نعيش لنرى اليوم الذي نبدي فيه الندم على أننا كنا قادرين يوماً على الاقتراض بأرخص سعر فائدة كان بمقدورنا الحصول عليه.

نوح سميث*

*أستاذ المالية المساعد في جامعة ستوني بروك

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا