• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

روسيا ليست لاعباً جديداً في سوريا، بل كان لها هناك موطئ قدم فيها منذ عشرات السنين، بل إن سوريا ذاتها تعدّ قاعدة عسكرية روسية.

الطريق إلى دمشق عبر موسكو

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 أكتوبر 2015

لمدة تفوق أربع سنوات، ظلت السياسة الأميركية المتعلقة بالأوضاع في سوريا مبنيّة على التمنّيات والابتهالات. تمنيات برحيل بشار الأسد، وابتهالات بأن تصبح المعارضة السورية في وضع أفضل مما هي عليه الآن. وفي خضم هذا الوضع المتأزم، تمكنت روسيا من رفع قيمة رهانها في هذه اللعبة المعقدة، وتلخصت ردة فعل الحكومة الأميركية بزيادة شعائر الابتهال مع تأنيب روسيا على التدخل في مكان لا ينبغي أن يكون لها موطئ قدم فيه.

وعلى الرغم من الازدراء الذي شعر به الأميركيون والأوروبيون حيال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب تدخله السافر في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا، فإن من شأن الأسلوب المستهجن لتدخل موسكو في سوريا أن ينطوي على بريق من الأمل في الخروج من المستنقع السوري. وربما كان بوتين على حق من أن حكومة مستقرّة في سوريا يمكنها أن تعيد الأمن العام إلى البلد، هي وحدها التي ستساهم في عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، وبدلاً من أن تسعى أميركا إلى تحقيق انتصار حاسم في سوريا، فإن من واجبها أن تعمل الآن على وضع حد لتلك الحرب ووقف المأساة وإعادة المشردين إلى وطنهم.

وينبغي على الولايات المتحدة أن تنشد هدفين لا ثالث لهما في سوريا. أولهما، أن تولي اهتماماً بإعادة الحياة العادية إلى المناطق السورية التي لا يسيطر عليها تنظيم «داعش». وثانيهما، أن تشرع بعمل جاد لبناء تحالف من القوى يمكنه احتواء تنظيم «داعش» ودحره. والآن، يمكن للتدخل الروسي أن يخلق الفرصة المواتية لتحقيق الهدفين معاً.

وهذا يعني بكلمة أخرى التخلي عن التحيز الأميركي والابتعاد عن تسخين الخطاب السياسي. وذلك لأن روسيا ليست لاعباً جديداً في سوريا، بل كان لها هناك موطئ قدم منذ بضع عشرات السنين، بالضبط مثلما كانت أميركا منشغلة بمصالحها في الشرق الأوسط منذ أكثر من 60 عاماً. ولا شك أن الأسد يحظى بحماية روسيا، وأن سوريا ذاتها تعدّ قاعدة عسكرية روسية. وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة قواعدها ومنشآتها العسكرية المماثلة والأكثر ضخامة في المنطقة.

وفي الوقت الراهن، أصبحت لكلتا القوتين مصلحة في إعادة الاستقرار إلى المنطقة. وبات من المعلوم أن ما يسمى بالحركات الجهادية تخلق خطراً على روسيا يفوق ذلك الذي يهدد أميركا ذاتها. ولقد لقي عدد كبير من الروس حتفهم على أيادي الإرهابيين، وهرب الآلاف من الجهاديين الذين كانوا ينشطون في بعض دول الاتحاد الروسي وانضموا إلى فيالق مقاتلي تنظيم «داعش» الإرهابي لهدف محدد وهو العودة لمزاولة نشاطاتهم في البلاد التي فرّوا منها في نهاية المطاف، ثم إن لروسيا نفوذاً في سوريا تفتقد أميركا لمثل قوته. ويتمثل بعدة مظاهر كالوجود العسكري على الأرض، والعلاقة الوثيقة مع النظام الضعيف والذي لا يزال على رأس السلطة في دمشق، والعلاقات القوية مع الحكومتين الإيرانية والعراقية، واتفاقية الشراكة الاستخباراتية معهما، والتي يمكنها أن تشمل «حزب الله» الحليف لإيران.

ولا زالت الولايات المتحدة تحتفظ ببضع مئات الطائرات وآلاف الجنود في المنطقة بالإضافة لعلاقاتها القوية مع الأكراد، إلا أن علاقاتها الضعيفة مع إيران والتي تعود للمشاكل التي تخلقها لها الحكومة العراقية الضعيفة، والقصور الاستخباراتي الشديد في سوريا، والفشل الذريع الذي آل إليه مشروع تدريب وتسليح المعارضة السورية المعتدلة، تعكس جميعاً الواقع القائم على الأرض. ويمكن لتحالف إقليمي أوسع، يحظى بضمانات من كل الأطراف المشاركة فيه، أن يمثل أداة فعالة ضد تنظيم «داعش». وينبغي على المسؤولين الأميركيين أن يفهموا هذه الحقائق جيداً، وأن يسخّروا أصولهم العسكرية التي لا تزال قائمة لتحقيق أهدافهم الإنسانية والمعادية للتطرف، وينبغي على روسيا أيضاً أن تواجه الحقيقة. ويتحتم على بوتين أن يدرك تماماً بأن من المستحيل الإبقاء على الأسد في السلطة، وبأن النظام لا بدّ أن يتغير. وليس ثمة من بديل آخر لهذا الحل غير الفوضى وإتاحة الفرصة لتنظيم «داعش» لتوسيع دائرة عملياته الإرهابية، وهناك احتمال أن تتورط روسيا في سوريا مثلما تورطت في أفغانستان من قبل، ومثلما تورطت أميركا في العراق وأفغانستان، وذلك في حال اعتقاد بوتين أن القوة العسكرية الخارجية يمكنها وحدها أن تهزم «داعش». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا