• الاثنين 22 ربيع الأول 1439هـ - 11 ديسمبر 2017م

نحو مؤسسة ثقافية إماراتية تعنى بـ شؤون الذات والآخر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 13 فبراير 2007

د.علي بن تميم

''مما يؤثر أن أرى العرب مازالوا يعتقدون بأن الدوائر الغربية الثقافية تقوم على إلغاء وجود العربي الثقافي بسبب العداء الديني فحسب ''لقد مرت أكثر من خمس عشرة سنة على هذه المقولة التي أطلقها إدوارد سعيد، واليوم نشعر بسعادة غامرة عندما نرى أن جائزة نوبل تمنح لكتاب خارج الحدود الغربية مثل نجيب محفوظ وماركيز ونادين جوديمر وأورهان باموق.. فاتحة الأفق للكتاب الشباب في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية ليواصلوا تحدي الصور السلبية الشائعة عنهم في الغرب، وتقديم صورة إيجابية أخرى، لكن على الرغم من ذلك وقفت جائزة نوبل حجر عثرة لتمنع تخطي الأدب العربي الحدود الإقليمية إلى الخارج منذ أن منحت لنجيب محفوظ سنة .1988 وفي ذلك يقول حسام أبو العلا في مقالته غير المترجمة إلى العربية: ''تحدي ما هو محظور: الأدب العربي في سوق الولايات المتحدة الأميركية'' إن نسبة الكتب المترجمة من اللغات الأخرى إلى الإنجليزية تبلغ 3%، وتمثل الكتب العربية من هذه النسبة الضئيلة أقل القليل. ويعزى هذا الأمر إلى أن جزءاً من الغرب مازال يعتقد بأن الثقافة العربية تقليدية. ومما لا شك فيه أننا بحاجة إلى أن نطوّر معايير مختلفة من أجل خلق قناة تظهر أفكارنا إلى الولايات المتحدة، وتقاوم المقاطعة الثقافية للثقافة العربية فيها. ونحاول خلق اتفاقات مع كبريات دور النشر في السياق الأنجلوأميركي، خاصة وأن الكتب العربية المترجمة إلى الإنجليزية تنشر في دور نشر غير مؤثرة. وأتذكر أن بينجون وهي إحدى الدور الكبرى والمؤثرة على القارئ في بريطانيا والولايات المتحدة نشرت رواية ''الزيني بركات'' فحسب، ولم تتحمّس لأي رواية عربية أخرى، وتدعم حضورها؛ لهذا علينا أن نبحث عن دور نشر مؤثرة ومهمة، لتقاوم الأفكار النمطية السائدة عن الذات العربية. لقد كان ريتشارد جاكويموند وهو واحد من أنجح مترجمي الأدب العربي إلى الفرنسية، يردّ مشكلة استقبالنا عند الغرب لسوء الترجمة التي تقع في الحرفية، علاوة على ماقام به الاستشراق من خلق منظومة أسطورية عن الذات العربية. ويبدو أن الآخر يرفض أي منحى يحاول ألا يستجيب لهذه المنظومة، ويرغمنا على تحقيق الفكرة الاستشراقية لا الفكرة التي تعبر عن تجربتنا المحلية.

إننا بالنسبة للغرب آخر مليء بالإشكالات والأساطير، فالذات إذا ما شعرت بنقص في استيعابها شفرة ما، تعود إلى ذاتها فتمارس عليها نوعاً من التذويت والدمج، كي تهرب من الفراغات غير المحددة التي تزدهر في الآخر إلى المكان الأكثر تحديداً وهو الذات، الأمر الذي يذكرنا بفكرة وولفغانغ إيزرعن النقاط غير المحددة في النص أو الفجوات، التي تتجلى فيها قدرة القارئ وقوته، وهكذا فمن طبيعة الذات حينما تتلقى الآخر تواجه نوعاً من اللاتحديد، فبدلاً من أن تمارس اليقظة في القراءة ترتد إلى ذاتها، وتهرب من الفضاءات الملغزة الغريبة إلى فضاءاتها المألوفة، فتدمج الغريب غير المألوف بالمعتاد الذاتي حتى تستطيع فهمه، وبهذه الطريقة يمكن فهم الاستجابات للذات العربية، واستجابات الذات العربية للآخر. ويظهر أن بعض الأميركيين استجابوا لفكرة وجود كرسي للدراسات الإسلامية في كلية اللاهوت بجامعة هارفارد على هذا النحو.

وعلى الرغم من أن الكرسي هذا استقبل استقبالاً إيجابياً عند بعض المثقفين الأميركيين بجامعة هارفارد، إلا أن التيار المناقض والمشوّه للأفكار الحضارية ظل يقاوم وجود هذا الكرسي، وقد نشراليهودي رابي كارليس سهير بجامعة كولومبيا وكلية بارنارد عريضة احتجاج في الإنترنت ليشجع مستخدمي الإنترنت أن يوقعوا عليها من أجل إلغاء هذا الكرسي، وقد قام ريشيل فيش، وهو طالب بكلية اللاهوت بجامعة هارفارد، بنشر إعلان عبر البريد الإلكتروني يدعي فيه أن وجود كرسي للدراسات الإسلامية بجامعة هارفارد سوف يدمّر الرابطة الأميركية، وسينشر الإرهاب، وكان يستعمل نظرية المؤامرة الخفية والسرية، وقد جمع فيش هذا مجموعة من الطلاب والتقوا في 19 مارس 2003 بكلية اللاهوت ليقاوموا فكرة تعزيز الدراسات الإسلامية بجامعة هارفارد، وقبلها نشر عريضة احتجاج من دون اسم وأرسلها بالبريد الإلكتروني من إسرائيل.

ويلاحظ المتابع أن أي محاولة إنسانية تسعى إلى نشر فكر التسامح بين الذات والآخر تقاوم، ويستعمل المشوهون باستمرار أسلوب التنميط والتعميم المعتمد على نظرية المؤامرات السرية والخفية، وهي تلاقي قبولاً إيجابياً لدى جماهير القراء في أميركا خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، وهي تعكس مخاوف الإنسان العادي من وجود الغرباء، وتصور المجتمع المدني بوصفه ميدان معركة مشتبكة بالإرهاب ونقيضه، وبالمعارك التي تشنّ بواسطة البوليس السري، وكأننا ندخل في معركة مدرّة للشفقة مملوءة بالحبكة المرتابة من الآخرين، وهذا المنحى يذكر برواية بندول فوكو لإمبرتو إيكو وشفرة دافنشي المشهورة وثلاثية نيويورك لبول أوستر ورواية المنظر المرسوم بالشاي لميلوراد بافيس ورواية الليلة الطويلة لدجاجات بيضاء لفرانسيسكو غولدمان. ويستخدم الروائيون هذا الأسلوب لأنه يجذب الجماهير المستقتلة لكشف ما يدور في العالم من أمور غامضة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال