• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

في ظل الأزمة الاقتصادية والصعوبات الاجتماعية لم يعد أمام اليونانيين ما يخسرونه لينعكس ذلك في تصويتهم الكثيف على «سيريزا»

اليونان تنتخب «الصدام» مع أوروبا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 27 يناير 2015

بعد خمس سنوات من دواء التقشف المر الذي اضطرت اليونان إلى تجرعه كسبيل للتخلص من ديونها المتراكمة يبدو أن البلد، في انتخابات الأحد الماضي، قالها بصراحة، إنه ما عاد قادراً على تحمل المزيد، ملوّحاً بورقة التحدي في وجه دائنيه بالاتحاد الأوروبي. وبمشاركة الملايين من الناخبين الذين خرجوا بكثافة للإدلاء بأصواتهم أعطت اليونان فوزاً كبيراً لأقصى اليسار ممثلاً في حزب «سيريزا» الذي من المتوقع أن يضع البلد في مسار تصادمي مع باقي أوروبا. وهذه المواجهة المرتقبة ألقت أصلًا بظلالها على الأسواق المالية المضطربة وقد تمثل تحدياً جسيماً لفكرة العملة الأوروبية الموحدة. وفيما كان آلاف المؤيدين يهتفون ويحتفلون في شوارع أثينا ليلة الأحد الماضي التي تحولت إلى ما يشبه المهرجان المفتوح، أظهرت النتائج الأولية تقدماً واضحاً لـ«سيريزا» على باقي الأحزاب وذلك بهامش فاق كل التوقعات. ومع أن النتيجة النهائية بدت أقل من مستوى التأييد الذي يحتاجه الحزب داخل البرلمان لتشكيل حكومة بمفرده، إلا أن القائد الشاب والكارزمي للحزب روّج للنتائج على أنها بداية جديدة لذلك البلد المترنح.

وهذا الأمر عبر عنه زعيم الحزب، ألكسيس تسيبراس، الذي لا يتجاوز الأربعين عاماً، في خطابه أمام حشود اليونانيين المبتهجين بالنتيجة، قائلًا: «إن حكم الشعب ينهي بما لا يدع أدنى مجال للشك تلك الحلقة المفرغة والمقيتة من التقشف. فحكمكم وحكم الشعب اليوناني يلغي اليوم اتفاقات الدعم المالي التي جاءت بالتقشف والدمار». وكان تسيبراس الذي من المرجح أن يتولى رئاسة الحكومة خلال الأيام المقبلة قد خاض حملته الانتخابية على أساس برنامج متفائل، وإن كان صعب التحقيق، يركز على إعادة النهوض بالاقتصاد من خلال إطلاق حنفية الدعم الحكومي، حيث تعهد بإعادة العمال المسرّحين إلى وظائفهم، ورفع الحد الأدنى من الأجور، وتوسيع الاستفادة من التأمين الصحي، فضلًا عن توفير الكهرباء لمن لا يستطيعون سداد فواتيرها. وهذه الوعود وجدت صدى طيباً لها في بلد يعيش ثلث سكانه تحت خط الفقر بعد سنوات من الركود الاقتصادي وتقليص النفقات. ولكن انتخاب أول حكومة لليسار الراديكالي في تاريخ الاتحاد الأوروبي يمثل تحدياً مستفزاً للدائنين الدوليين الذين أنقذوا اليونان من شبح الإفلاس المالي بعد عجزها عن سداد الديون وعدم قدرتها على الاقتراض، حيث منح هؤلاء 284 مليار دولار للحكومة مقابل الالتزام ببرنامج صارم من التقشف لكبح النفقات المتضخمة.

وقد أكد الحزب الفائز أنه عندما يتولى السلطة سيطالب بإعادة التفاوض مع الدائنين الأوروبيين حول شروط الدعم، مع إصرار على إلغاء جزء مهم من الدَّين اليوناني. ولكن الدائنين، وفي مقدمتهم ألمانيا، ليسوا في وارد الموافقة بسهولة، ما يثير مخاوف من مواجهة حامية قد تنتهي بخروج اليونان من منطقة اليورو، معرضاً مجمل المنطقة للخطر. وهذا الرفض الأوروبي للإذعان لشروط اليونان اتضح حتى قبل الإعلان عن النتائج وخلال فرز الأصوات عندما استبعد المسؤولون الألمان فكرة إعادة التفاوض، مع تشديد رئيس البنك المركزي الألماني، جينز ويدمان، في لقاء تلفزيوني على ضرورة احترام اليونان لالتزاماتها، قائلاً: «آمل ألا تشكك الحكومة اليونانية الجديدة في ما هو منتظر منها». ولكن من جهة أخرى بدا الناخبون اليونانيون مستعدين للمخاطرة بالدخول في مواجهة مع الاتحاد الأوروبي، ففي ظل الأزمة الاقتصادية والصعوبات الاجتماعية لم يعد أمام اليونانيين ما يخسرونه لينعكس ذلك في تصويتهم الكثيف على «سيريزا». وقد عبرت هيلين زوربا، الموظفة الحكومية البالغة من العمر 55 عاماً التي انخفض راتبها بـ20 في المئة خلال السنوات الأخيرة فيما زادت الضرائب، قائلة: «لم يعد ممكناً الاستمرار بالطريقة الحالية، فالناس يفقدون كرامتهم وقد اضطر العديدون للوقوف في صفوف طويلة للحصول على وجبات مجانية».

وفيما كان اليأس يستبد باليونانيين كانت شعبية «سيريزا» في صعود لافت، حيث تخلى ناخبو الطبقة الوسطى عن أحزاب الوسط التي هيمنت على الساحة السياسية لعقود طويلة وانضموا إلى حزب يسيطر عليه أساتذة الجامعات ذوو التوجه الماركسي.

جريف ويت *

* محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا