• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

السعار الاستهلاكي غلو وتطرف، والشح غلو وتطرف، والتفاخر والتباهي والمظهرية غلو وتطرف، وتدليل الأبناء غلو، وشيوع الطلاق إرهاب وغلو وتطرف

حرق المراكب في أمَّة العناكب!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 14 أكتوبر 2015

هل هُناك علاقة بين التطرف والإرهاب والغلو، وما حدث في منى خلال مناسك الحج؟ أحسب والعهدة عليَّ وحدي أن العلاقة وثيقة، وهي علاقة السبب بالنتيجة.. وإذا أردنا أن نعرف العلاقة أكثر، فإنني أحيلكم إلى مهرجانات هزلية أو مهرجانات للطماطم أو للسكارى في الغرب تعقد في مكان واحد ربما لا تتعدى مساحته كيلومترين ويحتشد فيه مليون أو أكثر، وتمارس فيه أفعال طفولية، ومع ذلك لم يحدث أن أصيب فرد واحد بخدش أو بجرح في هذه المهرجانات. أما المسلمون وفي القلب منهم العرب، فإن اجتماعهم كارثة وتزاحمهم مصيبة - ولا خير في اجتماعهم ولا خير في تفرقهم. لا خير في اتفاقهم ولا خير في اختلافهم. والسبب الوحيد هو التطرف والإرهاب والغلو والتعاون على الإثم والعدوان وليس أبداً على البر والتقوى. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما دخل الرفق أمراً إلا زانه وما نزع من أمر إلا شانه». والرفق ضد التطرف والإرهاب والغلو. وقد نُزع الرفق من كل أمورنا فصارت شائنة ومشينة. فخيرنا تطرف وغلو وشرنا تطرف وغلو. نتطرف في التدين والاستقامة حتى (السماجة) والملالة وإشعار الآخرين بالقرف. ونتطرف في الانحراف والمروق والإلحاد حتى الشيطنة ونتطرف في التمسك بالتقاليد حتى التخلف والجمود، ونتطرف في نبذها حتى التفسخ والانحلال. نتطرف في التعري حتى الوقاحة ونتطرف في التغطي حتى الشبحية.

في الحج لا يمكن أن يكون حادث منى إلا سلوكاً بشرياً مغالياً ومتطرفاً وإرهابياً. وفي الحج قصص مذهلة للتطرف والسلوك الهمجي الذي يظن أصحابه أنه عبادة. ففي رمي الجمرات يندفع الناس أمواجاً نحو الشيطان، فيرجمونه بالنعال والنفايات ويشبعونه سباً وقذفاً وبصقاً ويحملونه مسؤولية طلاق زوجاتهم أو انحراف أبنائهم أو خلافاتهم الأسرية والتبرير دوماً أنها العبادة والعداء السافر للشيطان والثأر منه. وفي كل المشاعر والمناسك يضيع الرفق تحت الأقدام، وتندفع الأمواج البشرية القاتلة كأنها حيوانات سائبة، فتقتل وتصيب من يسقط تحت هذه الأقدام. وفي الحج لا يمكن تلافي الضحايا حتى إذا جعلت السعودية أماكن احتشاد الحجيج بحجم الكرة الأرضية، لأنّ المسألة لا علاقة لها بضيق المكان أو اتساعه. ولا علاقة لها بحسن أو سوء التنظيم ولكنها على علاقة وثيقة بالإرهاب والغلو والتطرف والسلوكيات الهمجية التي يسميها المسلمون عبادة. ويسألونك عن التطرف وسوء التصرف، فقل إنه الرفق الذي نزع من حياة المسلمين والعرب كلها. لا تحصر التطرف وسوء التصرف في جماعات ما يسمى الإسلام السياسي، فتلك أورام وخبيثة وتقيحات وبثور وطفح جلدي في جسد عربي أكله الغلو، وفي عقل عربي التهمه التطرف وفي قلب عربي أظلمه الإرهاب. أصبحنا جمعاً متنطعين في الدين والدنيا. أصبحنا نسخاً من ذلك الرجل الذي هرول إلى بيت الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو غيره ودق الباب بعنف ففزع الخليفة ليفتح الباب، ويرى ما الخطب، فإذا بالرجل الأحمق يقول: يا أمير المؤمنين إن تمرة من نخلة جاري سقطت في بيتي، وها هي ذي معي فهل يحل لي أن آكلها؟ فقال له الخليفة وقد كظم غيظه: كلها فإن الله لا يحب المتنطعين في الدين. والمتنطعون في الدين حمقى يسألون وعلماء حمقى يجيبون عن الحرام والحلال ولون دم الدورة الشهرية وصوم الحائض والنفساء وكل هذه السفاسف المتنطعة، التي تخنقنا وتذبحنا وتنشر في ربوع الأمة المتنطعة الغلو والإرهاب والتطرف.

أما تطرف الدنيا وغلوها وإرهابها فحدث ولا حرج. السعار الاستهلاكي غلو وتطرف، والشح غلو وتطرف والتفاخر والتباهي والمظهرية غلو وتطرف وتدليل الأبناء غلو، وشيوع الطلاق إرهاب وغلو وتطرف. ونحن نعارض الحكومات مثلاً حتى كأنها لا تصيب أبداً ونؤيدها حتى كأنها لا تخطئ أبداً.. وذلك إرهاب مقيت والمعارضون والموالون متطرفون ورواد مواقع التواصل الاجتماعي وأداء الفضائيات العربية. كل ذلك إرهاب وغلو وتطرف. وهناك تعسف وتنطع في استعمال الحق. فالمرأة تمارس أو تطالب بحقوقها بتطرف وغلو وتمرد حتى فقدت أنوثتها ورقتها، وحقوق الإنسان عندنا نحن العرب كلمة حق يراد بها باطل لأن الإنسان العربي يرى أن حقه هو الحق في المخالفة وكسر القواعد والسب والقذف وتلويث البيئة، وأن الالتزام في رأيه ضعف والرفق في سنته تفريط.. والنساء عندنا أكثر تطرفاً وغلواً ونفاقاً من الرجال حتى صرن قنابل موقوتة في هذه الأمة وهن الحصن الذي أوتيت منه الأمة وتم غزوها إرهابياً وإخوانياً.

التطرف والغلو والإرهاب كل لا يتجزأ أو يجب التعامل معه كصفقة واحدة.. والحديث عن التطرف والإرهاب اللذين تمارسهما الجماعات الإرهابية باسم الدين حديث منقوص وفيه اختصار مخل، ولا بد أن يمتد الأمر إلى التركيبة النفسية والعقلية المتطرفة للإنسان العربي عموماً وفي كل مجال.. والحديث عن تغيير الخطاب الديني أو تجديده لا قيمة له لأن الأمر الملح والضروري هو تغيير الرؤوس وجراحات عاجلة لزرع عقول جديدة لأن العقل العربي الجمعي على كل المستويات انتهى عمره الافتراضي وأصبح غير صالح للاستخدام الآدمي.. وأصبح العرب في مقاعد المتفرجين على قضاياهم وهي تموت وأراضيهم وهي تقضم قطعة قطعة.. والذين يلعبون في الملعب العربي ليس بينهم عرب لأن أبناء هذه الأمة لم يصبحوا حتى مجرد جمهور.. فالمباراة التي تقام على أرضنا بلا جمهور ولا حكام ولا لاعبين عرب.. ومن الضروري والعاجل أن يكف العرب عن سياسة حرق مراكب العودة والتراجع لأن هذه السياسة دمرت الأمة وأضاعتها.. والعربي رسمياً وشعبياً يرى أن إعادة النظر في مواقفه عيب وأن الرجوع عن رأيه خطأ وضعف وأن التمترس حول مواقف أكل عليها الدهر وشرب دليل قوّة وتمسك بالمبدأ.. وكثيراً ما يكون التمسك بالمبدأ كارثة.. وهذا ما نحن فيه الآن خصوصاً في سوريا والعراق وليبيا.

أوراق اللعب تتغير والعرب متمسكون بمبادئ تجاوزها الزمن.. ويخلطون بين الديني والسياسي خلطاً سيئاً يؤجج الأزمات وتتدخل المنابر تدخلاً أحمق في القضايا السياسية كما يحدث بالنسبة لسوريا ورئيسها بشار الأسد، حيث الحديث كله عن العلوي النصيري الكافر، ولا حديث أبداً عن الآثار السياسية لرحيل أو بقاء بشار ولا عن البديل الذي سيكون بالضبط هو نفس البديل في العراق وليبيا.. ولكن العرب ما زال على قلوبهم أكنة أن يفقهوا وعلى أبصارهم غشاوة. وكل ذلك بسبب الإرهاب والغلو والتطرف، وهي الصفة المقيتة التي تؤدي إلى سوء التصرف. وقد أوردنا التطرف المهالك، وصارت بيوتنا العربية واهنة كبيوت العناكب، وأمتنا كلها أمة العناكب لأنها أحرقت كل المراكب.

محمد أبو كريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا