• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

لويجي زينجاليس*

المال.. هل يفسد نزاهة البحث العلمي؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 12 أكتوبر 2015

أصبحت نزاهة الأبحاث وآراء الخبراء في واشنطن، موضع شك الأسبوع الماضي، ما أدى إلى استقالة «روبرت ليتان» من منصبه كباحث اقتصادي غير مقيم في معهد «بروكينجز»، وأثارت السيناتور «إليزابيث وارين» قضية تضارب المصالح في شهادة «ليتان» أمام لجنة لمجلس الشيوخ الأميركي بشأن قانون مقترح خاص بوزارة العمل، قصد به حماية المستهلكين في تعاملاتهم مع وسطاء يعملون في مجال خطط التقاعد. واستندت الشهادة إلى ورقة كان «ليتان» قد أعدها لصندوق «كابيتال جروب» الاستثماري. وكشف «ليتان» عن أن «كابيتال جروب» التي لها مصلحة في القضية، مولت ورقته البحثية، لكنه لم يكشف عن أنها طلبت إجراء البحث أيضاً. وخلص «ليتان» إلى أن القاعدة التنظيمية رغم أنها حسنة النوايا، لكنها ستكون مكلفة للغاية. واستقال لأنه اعترف باعتباره باحثاً في «بروكينجز» انتهك قاعدة أُقرت في الآونة الأخيرة لبروكينجز من شأنها أن تحظر هذا. وتعرضت «وارين» نفسها لانتقادات من اقتصاديين وخبراء من اليسار واليمين.

إن نزاهة عملية البحث وثقة الأمة التي تضعها في الخبراء الذين يقدمون النصح للحكومات، ويقدمون شهادات للكونجرس في موضع شك إذن. فآراؤنا تشكل قرارات الحكومة في المجالات السياسية والقضائية. وحتى عندما نتقاضى أموالاً لنقدم شهادة باعتبارنا شهوداً خبراء، يُتوقع منا النزاهة. فما نتقاضاه من أموال لا صلة له بما نقدمه من رأي. وكان هذا دفاع «ليتان» في الواقع. فقد استأجرته «كابيتال جروب» كي يكتب ورقة بحثية بشأن الموضوع، لكنها لم تمل عليه ما يتوصل إليه من نتائج. وأخبر ليتان في رده على أسئلة المتابعة بعد شهادته «لوارين»، أنه تلقى ملاحظات من «كابيتال جروب» على المخطط الأساسي لورقته البحثية و«بعض التعليقات التحريرية».

ولو أن النتائج لم تسعد «كابيتال جروب» لربما وجدت خبيراً أكثر إذعاناً. ولظلت صفة «غير متعاون» تطارد «ليتان» على مدار مشواره المهني كمستشار. ولا معنى لدفاع «ليتان» بأن الناس يجب أن تحكم على محتوى عمله وليس نتائجه. فهذا جيد لدورية يقرأها باحثون أنداد، لكنه ليس جيداً للعرض أمام الكونجرس. فالمشرعون يعقدون جلسات استماع لآراء المتخصصين، لأنهم يفتقرون للخبرة لتقييم موضوعات فنية معينة. وهم يعتمدون على نزاهة هؤلاء الخبراء.

والأساس أن الباحثين يضعون سمعتهم ونزاهتهم فوق ما يتقاضونه مقابل أي عمل. وهذا الافتراض صحيح إلى حد ما. ولا يتفرع عن هذا حسبة اقتصادية فحسب تتمثل في أن الكذب مرة واحدة لن يعوض تقريباً العائدات الضائعة بسبب ما لحق السمعة من أذى، بل هناك حسبة مهنية أيضاً لأن غالبيتنا يرون أن الوجاهة الأكاديمية، أهم من أي مال. لكن الأمر ليس قاطعا هكذا. فالورقة البحثية قد تكون مضللة أو غير وافية في الحقيقة حتى لو لم تكن كاذبة بشكل صارخ. وحوافز الحفاظ على السمعة لا تعمل بشكل جيد جيداً إلا في الأوراق الأكاديمية التي تنتشر على نطاق واسع في المجتمع الأكاديمي الموثوق به، ويتم فحصها بشكل مستقل في الدوريات التي يطلع عليها الباحثون الأنداد. والاهتمام بالسمعة لا يكون له شأن كبير في شهادة الخبراء المغلقة أو في الأوراق البحثية السياسية مدفوعة الأجر التي تنتشر في جماعات سياسية صغيرة. وهناك احتمال أكثر ندرة يتمثل في أن حماية السمعة قد تبدو بلا تأثير كبير، لأن تحوير رأي لصالح المال منتشر بدرجة تجعل منه معتاداً.

فماذا لو كانت الشهادة في الكونجرس وشهادة الخبراء محظورة والتمويل الخاص للأبحاث محظوراً؟ إن إلغاء التمويل الخاص يترك البحث كلية في يد التمويل العام. وهذا لن يلغي التحيز، بل سيميل به فحسب ناحية الحكومة. والحل الأفضل هو تبني الشفافية. وبإلقاء الضوء على كيف يمكن أن يؤثر تمويل الأبحاث على محتواها، عززت «وارين» عقوبة سمعة الخبراء الذين يميلون للمصالح الخاصة، وهي عقوبة هدفها الحفاظ على نزاهة العملية. لكننا نحتاج إلى تغييرين آخرين. أولاً: يتعين نشر الشهادات في الكونجرس والأوراق البحثية المتعلقة بالسياسة على الإنترنت قبل أسبوعين على الأقل من جلسة الاستماع، وفتح المجال للتعليقات حتى يستطيع الكونجرس أن يحصل على تعليقات كثيرة بديلة من خبراء. ويجب الكشف عن كل الخبراء الشهود للجمهور مع تأخير الموعد إذا لزم الأمر من أجل السرية. المعرفة أساسية للحكم والتداول. وإذا فسدت عملية نقل المعرفة يفسد نظامنا التشريعي والقضائي.

* أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا