• الاثنين 05 رمضان 1439هـ - 21 مايو 2018م

ركض 327 كلم دعماً لمرضى السرطان

خالد السويدي: ابتسامة والدي زادُ طريقي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 09 فبراير 2018

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

عندما فكر الشاب الدكتور خالد جمال السويدي في قطع المسافة بين الفجيرة وأبوظبي رابطاً البحر بالبر، لم يتخيل حجم الصعوبات التي ستواجهه، لاسيما أنه تدرب تحت حرارة شمس حارقة تصل إلى 47 درجة خلال الصيف الماضي، وخاض تجارب قاسية لتجاوز الرحلة من دون عناء، إلا أن الطريق كانت الامتحان الحقيقي.

وتمكن السويدي من تحقيق إنجاز نوعي غير مسبوق، الثلاثاء الماضي، حينما أتم بنجاح مبادرته الخاصة «ألتراماراثون رحمة الخيري»، التي قطع خلالها مسافة 327 كلم من دون نوم أو توقف من ميناء الفجيرة في إمارة الفجيرة، مروراً بميناء خليفة، وصولاً إلى ميناء زايد في إمارة أبوظبي، حيث قطع المسافة في 80 ساعة، وأصبح بذلك أول إماراتي يقطع المدى من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي في الإمارات.

تجربة غنية

ثلاثة أيام ونصف قضاها خالد السويدي، الحائز دكتوراه في العلاقات الدولية تخصص الهوية الوطنية من لندن كوليج، قاطعاً مسافة 8 ماراثونات مرة واحدة، ركضاً من الفجيرة إلى أبوظبي، أعادت إليه أجمل ذكريات الطفولة، واسترجع خلالها معاناة والد، سعادة الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، رئيس مجلس إدارة جمعية رعاية مرضى السرطان «رحمة»، مع المرض، كما علمته كيفية التغلب على الصعاب وإعادة حشد الجسد والنفس بعد الإعياء الشديد والإحباط الذي كان يمر به بين الفينة والأخرى، كانت ابتسامة والده وقصة تحديه لمرض السرطان أكبر دافع يعيده لمواصلة الركض من جديد.

وقال خالد السويدي، في لقاء خاص مع «الاتحاد»، إن «ألتراماراثون رحمة الخيري» من أهم التجارب المثيرة التي مرت في حياته، مضيفاً: «كان حلماً والآن أصبح واقعاً، ولم يكن من السهل إنهاء هذا التحدي، خاصة أنني لم أضع خطة للركض مسبقاً، ولم أقسم الطريق إلى مراحل، وكنت أريد قطع الرحلة كاملة في 60 ساعة، إلا أنني لم أستطع نظراً للتحديات التي واجهتها، لاسيما أنني لم أنم إلا ساعتين في ثلاثة أيام ونصف، كما اعتراني إحباط نفسي أكثر من مرة، فضلاً عن الصعوبات الجسدية كتشنج العضلات والإعياء الشديد، وتقرحات القدمين، وفي كل مرة كنت أعود للسيارة المرافقة لي محبطاً، وأختلي لحظة بنفسي أتذكر كيف صارع والدي السرطان والابتسامة لم تفارق وجهه يوماً، وكيف تغلب عليه بالأمل، فأعود وأستجمع قوتي وأعود للركض من جديد، كما كنت أتذكر كلمات والدتي التي كانت تحثني دائماً على العطاء الذي لا يتمثل في الجانب المادي فحسب، وإنما بالمواقف الإنسانية والدعم المعنوي الذي نقدمه للآخرين، وهو ما أقوم به في سبيل دعم «رحمة» جمعية رعاية مرضى السرطان التي تسهم في تقديم الدعم المالي والمعنوي لمرضى السرطان وأسرهم».

مجاهدة النفس والجسد

وصل خالد السويدي (35 سنة) خط النهاية وابتسامته لا تفارقه رغم الإعياء الشديد البادي على وجهه وطريقة مشيته، حيث كانت رجلاه لا تقويان على حمله، بعد أن قطع المسيرة الطويلة ركضاً من الفجيرة إلى أبوظبي، بعد محطات وتدريبات كان يحسبها سقف ما سيعانيه في مسيرته، إلا أن الطريق كان الفاصل في هذه التجربة التي تغلب فيها على النفس والجسد.

وقال إن «المعاناة تحول الإنسان إلى شخص آخر، جندت جسدي وروحي ونفسي لأكون هنا من أجل خوض هذه التجربة، كانت رحلة قاسية، ورغم ما كان يجزم به الطاقم المرافق لي من عدم قدرتي على إكمال الرحلة، فإنني كنت واثقاً من نفسي، وأواصل الجري ليلاً نهاراً، لا أتوقف إلا قليلاً لأتابع طريق رحلتي التي بدأتها الساعة السادسة صباحاً من يوم السبت الماضي والتي انتهت الساعة الثالثة عصراً بأبوظبي يوم الثلاثاء الماضي»، متابعاً: «كنت أعددت نفسي خلال الصيف الماضي وجربت كيفية التغلب على عقبات الطريق، إلا أنني بعد أن قطعت 260 كلم، وبينما كنت أهم باجتياز السبعين كلم الباقية، التي تفصلني عن أبوظبي وبالتحديد بشارع الشيخ زايد على الساعة الثالثة صباحاً، أصبت بتشويش فكري، وسيطر علي الإعياء الشديد، فذهبت للسيارة وجلست قليلاً، لحظتها هاجمني الإحباط والشك في قدراتي الجسمية، ووصل التعب مداه، وأثناء ذلك قفزت صورة والدي أمامي، واسترجعت شريط رحلته مع السرطان، ففي الوقت الذي كان السرطان يهاجم والدي بشراسة كان هو مثالاً للقوة والأمل والتحدي، وخاض معركته ونجح، فاسترجعت قوتي ونهضت من جديد»، مشيراً إلى أنه شرب أثناء مبادرته 62 لتراً من الماء خلال ثلاثة أيام ونصف.

جوانب إيجابية

عند غابات المها بشارع أبوظبي سيح السديرة، وأثناء اجتياز خالد السبعين الكلم الأخيرة ووسط الضباب الكثيف، والإعياء الشديد خرج عليه شاب إماراتي على الساعة الثالثة صباحاً أبدى إعجابه بما يقوم به، وبدأ يركض إلى جانبه، في هذا الصدد، قال السويدي: «كنت أشعر بإعياء شديد حين ظهر أمامي شاب اسمه سالم محمد من خلف الضباب، ووجه إلي أسئلة حول ما أفعله، ثم سألته عن أطول مسافة قطعها ركضاً، فأجاب أنها 5 كلم، إلى أنه لم يفارقني إلا عندما أنهى 45 كلم، ما ترك أثراً إيجابياً في نفسي وزادني قوة لأنهي المسافة وأصل للمحطة الأخيرة». ويبدو أن التجربة انعكست إيجاباً على جوانب مختلفة من حياة خالد، حيث قال: «من إيجابيات هذه المبادرة أيضاً أنني تعرفت على بلادي ومعالمها الجميلة، فهي رحلة استكشافية لاختبار الروح والجسد تخللتها محطات تأمل في شريط حياتي، حيث وقفت على كثير من الذكريات ولاسيما المتعلقة بمرض والدي، ما دفعني لأكمل المسيرة، خاصة أن هناك الكثير من مرضى السرطان الذين يعانون وينتظرون الدعم المادي والمعنوي».

قسوة التدريبات

ضرب خالد السويدي مثالاً على تحدي جسده، فقبل ثلاثة أعوام كان يعاني السمنة ويزن نحو 125 كيلوجراماً، وأثناء زيارته للطبيب واجهه باحتمالية إصابته بمرض السكري وارتفاع نسبة الكوليسترول وما يصاحبهما من أعراض أخرى، فشعر بالإحباط والحزن، وكانت هذه هي لحظة التحول في حياته. ومن أجل ابنيه التوأم ذياب وتمارا قرر تغيير حياته للأفضل، وبدأ في تقليل وزنه، وخسر نحو 50 كيلوجراماً، وأثناء ذلك فكر في هذه المبادرة، حيث أكد أنه أخضع نفسه لأقسى أنواع التدريبات كي يتمكن من اجتياز المسافة بيسر.

وأوضح السويدي أنه كان يركض في أجواء تصل حرارتها إلى 47 درجة مئوية، وقطع خلال هذه المدة 850 كلم، مشيراً إلى أنه تمرن بالوثبة وجبل حفيت بالعين. وذكر أنه كان أول إماراتي يركض على جبل حفيت صعوداً ونزولاً أربع مرات في اليوم تحت أشعة الشمس الحارقة، كما كان يركض 18 ساعة في الأسبوع، ويقوم بتمارين شد الجسم، ويتبع نظاماً غذائياً خاصاً يتضمن الخضراوات والفواكه والسمك، ويشرب 16 لتراً من الماء يومياً.

مبادرات مستقبلية

خوض خالد السويدي هذه التجربة فتح شهيته للقيام بمبادرات إنسانية أخرى، وقال: «صحيح أن التحدي انتهى بوصولي إلى خط النهاية، ولكن العمل الإنساني لا ينتهي، وآمل أن تواصل الشركات والأفراد تقديم الدعم للجمعية، وسأعمل على تأليف كتاب يتضمن تجربتي التي جعلتني أشعر أن لي قدرات كبيرة، وسأخوض تجارب قد تبدو للبعض مستحيلة، وأقوم بمبادرات تخدم الإنسانية، وتساهم في الوقت ذاته في توعية المجتمع بضرورة المشاركة في التوجه العالمي للتعريف بمرض السرطان والوقاية منه».

أنهض من جديد

أراد خالد السويدي أن يثبت بمبادرته، التي تزامنت مع احتفال الإمارات بعام زايد، أن الإرادة والعزيمة والأمل والتفاؤل والدعم عوامل قادرة على قهر المستحيل، مؤكداً أن الإصابة بمرض السرطان وقطع هذه المسافة جرياً تتقاطع في العديد من التفاصيل، خاصة في الجانب المعنوي، فالإنسان قد يصيبه الإحباط واليأس والتعب والإعياء، إلا أنه لا بد أن يستجمع قوته بالدعم والتحفيز، وشجاعته التي تنبع من قناعاته وروحه، لينهض من جديد ويعود للحياة.

وقال: «مررت أثناء هذه التجربة بحالات يأس شديدة، وتعرضت لتشنج في العضلات وتقرحات في القدمين، ولقلة النوم، شوشت تفكيري، وتلاشت قوة جسدي، وسيطر عليَّ الإحباط، وسرعان ما كنت أعود برغم كل ذلك عندما كنت أرى أيضاً الفخر في عيون مستخدمي الطريق الذين كانوا خير دعم لي، إلى جانب والدي الذي رافقني في الرحلة وفريقي الذي ضم مدرباً للجري، ومعالجة فيزيائية».

قائمة الداعمين

أقيم ألتراماراثون رحمة الخيري بتنظيم من جمعية رعاية مرضى السرطان (رحمة)، وضمت قائمة الداعمين، بالإضافة إلى موانئ أبوظبي، كلاً من: مجلس أبوظبي الرياضي، وشركة أغذية، ومستشفى إن أم سي، وكرايو أبوظبي، وريفايف، وسيمبل كافيه.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا