• الخميس 06 جمادى الآخرة 1439هـ - 22 فبراير 2018م

خلافات وسوء تفاهم.. والنهاية غير سعيدة

الطلاق المبكر.. «وجع» في قلب المجتمع

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 09 فبراير 2018

أشرف جمعة (أبوظبي)

تبدأ الحياة الزوجية بالفرح الغامر والسعادة التي لا تحدها أرض ولا سماء، فيغتنم الرجل والمرأة هذه اللحظات السعيدة في بناء دعائم بيت تظلله الأحلام لكن سرعان ما تتهاوى تلك الأحلام عندما تدب الخلافات خصوصاً بين الأزواج الجدد، إذ ترتفع نسبة الطلاق بينهم وفق بعض الدراسات التي أظهرت أن العديد من حديثي الزواج لا صبر لهم على مواصلة رحلة الحياة الزوجية في أنأة وصبر، فهل رغبة بعض الأسر في زواج أبنائهم في سن مبكرة من الأسباب الرئيسية لتفكك الأسرة سريعاً كون عامل النضج غائبا أم أن عدم التكافؤ وضعف القدرة على قيادة الأسرة وتحمل المسؤولية واختلاف الطباع أسباب قاهرة تدفع للفرقة وإهدار ذكرى الفرحة الأولى التي باركها الأهل والأقارب يوم أن تهللت الوجوه عند عقد القران، أو ربما كل هذه الأسباب مجتمعة هي التي تسهم في ضياع معاني الحب والتفاهم والألفة بين بعض الأزواج الجدد في هذه الحياة.

تقول الاستشارية الأسرية الدكتورة أمينة الماجد: تتعدد أسباب الطلاق بين الأزواج الجدد تحديداً في هذا العصر خصوصاً أن غياب ثقافة بناء الأسرة عن هذه الفئة يؤثر في استقرار العلاقة الزوجية موضحة أن الأسرة مؤسسة اجتماعية كبيرة وأنه من الضروري أن يكون هناك أدوار تمهيديه لقيامها على أسس سليمة في ظل فورات الطلاق المفاجئ التي تكسر هذا البناء وتتسبب في انكسارات وتداعيات اجتماعية ونفسية تظل آثارها ملازمة كل طرف خصوصاً إذا تصدعت أسرة حديثة ظللها أطفال أبرياء لا يستطيع أحد التنبؤ بمستقبلهم بعد الانفصال واستنزاف محاولات الصلح.

وتلفت الماجد إلى أن كل أب وأم عندما يشب أبناؤهما عن الطوق ويتوسمون فيهم القدرة بإدارة شؤونهم بمفردهم فهم يحلمون بيوم زواجهم وهو ما يؤدي إلى حثهم على تكوين أسرة في مرحلة مبكرة من العمر ورغم أن هذه الخطوات محمودة لحماية الشباب من الانحراف ومحاولة بث الثقة لكن من الضروري أن يتم تأهيل هؤلاء الشباب لقيادة أسرهم الجديدة بما يضمن لهم تخطي العقبات والمضي في الاستقرار وتجاوز الخلافات وترى الماجد أن اختلاف الفكر والطباع وعدم القدرة على التوافق في الحياة الزوجية يجعل كل طرف يحاول بسط سيطرته على الآخر وهو ما يؤدي غالباً إلى عدم التفاهم فضلاً عن أن مفاهيم الزواج لدى الأجيال الجديدة قد اختلفت وهو ما يدعو إلى ضرورة تصحيح الأفكار وفق منظومة القيم والتقاليد الراسخة.

صرخة الجدران

تقف هنا.. على تلك الذكريات القديمة التي تتداعى في رأسها قبل عامين عندما كانت في مرحلة الخطبة ساعة أن عاشت حلم الزواج الذي تحقق على يد العائلة، عندما ارتبطت بأحد الشباب ويعمل في مجال الملاحة البحرية، وبعد مرور ستة أشهر على الزواج انطلقت صرختها وسط جدران البيت نظراً لكثرة غياب أحمد الذي يسافر كثيراً وعند عودته تتلقفه المقاهي مع أصدقائه فتأكلها نيران الوحدة والصمت، مشيرة إلى أنها اشتبكت معه معلنة رفضها لتصرفاته التي جعلته يحول منزل الزوجية في البناية التي تملكها أسرته إلى فندق يتناول فيه الطعام ويستريح على وسائده في آخر الليل لافتة إلى أنه رغم كل ذلك كان يرفض مبيتها في منزل أهلها وأنها عندما وجدت أنه دائماً يمنحها أذنا من طين وأخرى من عجين صارحته برغبتها في الطلاق لكن تدخل بعض المقربين حال دون ذلك وإنها تنتظر في هذه الأيام أن ترى الوعود حقيقة ملموسة على بساط الحياة خصوصاً أن موعد ولادتها لطفلهما الأول أصبح قريباً في هذه الأيام.

حل قاطع

يحمل غنيم.. جمر العشرة غير الطيبة على يديه في صمت وهو يحترق من تصرفات زوجته غير المسؤولة التي جعلت مشاهدة التلفزيون أولوية لديها فأهملت بشكل ما بعض واجبات الأسرة وانساقت وراء رغبتها في متابعة المسلسلات وبرامج الطهي، ويذكر أنه نبهها إلى ضرورة أن تعيش لأسرتها وليس لنفسها لكنه في كل مرة يعبر لها عن رفضه لتصرفاتها تعمل بصورة ما على إيهامه بأنها ستستجيب لكل ما يريد دون أن تحقق شيئاً مما وعدت ويذكر أنه هددها بالطلاق في ظل عدم قدرتها على الاستجابة لأبسط قواعد متطلبات الحياة الزوجية خصوصاً في ظل ميلاد طفل في هذه الأيام يحتاج منها لرعاية أكبر وهو ما جعله يتصل بأهلها ويطلعهم على تفاصيل هذه المشكلة ويؤكد أن والدة زوجته وعدته بحل قاطع حتى لا يكون الطلاق هو الخيار الوحيد.

فارق العمر

ولا تخفي حبيبة.. أنها تتأذى من فارق العمر بينها وبين زوجها الذي يقف لها بالمرصاد على كل كبيرة وصغيرة ولا يحاول أن يحتويها بما يملك من خبرات الحياة وحكمة السنين إذ إنه يظهر لها دائماً عدم الرضا على أي شيء ودائماً يعلق على طريقة ترتيب البيت ويتهمها بأنها لا تملك لمسة جمالية فضلاً عن أنه حين يخرج معها في أي مكان يفرض عليها قيوداً ويظهر غيرة تفوق المستوى الطبيعي وتبين أن عمر الزواج لا يتعدى سوى عامين وأنها تعيش قلقاً دائماً حتى إنها صارحت خالتها برغبتها في الانفصال عنه كونه لا يتعامل معها بالمودة والرحمة والحنان وأنه دائماً ينزع إلى الغلظة والقسوة خصوصاً أنها شابة في بداية العمر وهو يقترب من الخمسين وأنها تزوجته بناء على رغبة أبيها الذي أكد لها أن فارق العمر ليس مشكلة وأن الرجال في هذه السن يمتلكون حكمة وقدرة على رعاية أسرهم أفضل من شباب هذه الأيام وتوضح أنها لا تزال تبحث عن حل لهذه المشكلة.

زوجة حديثة

لم تكن تتخيل إيمان.. أنها ستعيش مع زوجها على حافة الديون فراتبه الشهري رغم ضخامته يذهب معظمه للبنك لسداد أقساط القروض فالسيارة الفارهة التي يستقلها زوجها في كل مكان والبيت الذي يعيشون فيه ومعظم كماليات الحياة وحتى تكاليف العرس الذي أقامه في أحد الفنادق في أبوظبي من ضمن هذه القروض وتشير إلى أنها كرهت أن تكون حياتها الأسرية الجديدة كلها مرهونة للبنوك كما أنها تخشى على زوجها من عدم قدرته على السداد بالإضافة إلى أنها في أحيان كثيرة تطلب من أبيها أن يمدها بالمال لكي تستأنف الحياة خصوصاً أن زوجها يتعثر في معظم أوقات الشهر وتلفت إلى أنها غير مرتاحة لهذه الطريقة التي يدير بها الحياة في ظل عصبيته الشديدة معها كلما طالبته ببعض النفقات المادية لكي تدير شؤون المنزل وتبين أنها وصلت إلى حد طلب الطلاق رغم تأكيداته لها بأنه سيجد مخرجاً لورطاته المادية وعصبيته الزائدة وتورد أنها لم تعد قادرة على التحمل ولا تدري كيف ستتصرف في الأيام المقبلة خصوصاً أنها زوجة حديثة ولم تكن تعلم عن زوجها كل هذه الأسرار.

تصاعد الخلافات الأسرية

بعد أن أصبحت الحياة مستحيلة مع زوجته قرر صالح، موظف، أن ينزع للطلاق وسط تصاعد الخلافات الأسرية؛ إذ إنه يشعر بأن غيرة شريكة العمر تخطت حدود العادي والمألوف برغم أنه لا يوجد في حياته أسرار، ويلفت إلى أن هذا الباعث تحول عند زوجته إلى سبب مرضي، مبيناً أنه بعد أن استنزف معها كل المحاولات كي يثنيها عن التفكير بهذا الشكل شعر بأنه ليس بإمكانه أن يواصل الرحلة، ويشير إلى أنه لم يكن يتخيل أن اللجوء إلى أحد الاستشاريين الأسريين سيحل جزءاً كبيراً من المشكلة، خصوصاً أن لديه طفلة في مرحلة الرضاعة، وأن مساعي الصلح هذه أثمرت؛ إذ بصرت الزوجة فداحة الخطأ التي ترتكبه بشكل مستمر من خلال تفتيش هاتفه وتتبع خطواته كلما غادر البيت ومحاولة السيطرة على كل تحركاته مع الأصدقاء وحتى في دائرة عمله، ويرى أن هدم الحياة الزوجية ليس صعباً لكن تماسكها هو الذي يحتاج إلى صبر وحكمة.

الاعتراف بالخطأ

سعيد فوجئ بأن زوجته تضرب طفله الرضيع، وأنها حين اعترفت له بذلك، هددها بالطلاق، ووصفها بأنها غير آدمية، وأنه لا يمكن لأم أن تفعل ذلك بطفلها، ويشير إلى أنه اكتشف مع مرور الأيام، وعندما شب قليلاً عن الطوق، أنها تناديه بألفاظ مستهجنة وتلومه بعنف كلما سقط من يده شيء أو عبث بأشياء المنزل، ما جعله يتخذ قرار الطلاق، وأن يثبت أن زوجته غير مؤهلة لتربيته، ويذكر أنه بعد أن طردها من المنزل، وظلت ما يقرب من ثلاثة أشهر في بيت أهلها تدخل بعض الأقارب الذين استعانوا بمكتب استشارات أسرية لحل المشكلة، ويبين أن الأمور وصلت إلى الصلح، بعد أن اعترفت الزوجة بأخطائها، وتعهدت بأن تربى الطفل بأسلوب متحضر.

حوار مفتوح

أوضح الدكتور طلال الجنيبي، خبير دولي في الأسرة والمجتمع، أن الحياة الأسرية تستحق البقاء، وأن هدمها يخلق تصدعات وآثاراً مدمرة على الرجل والمرأة والأبناء، وأنه يجب أن يتحلى كل طرف بالصبر وينزع للحلول الإيجابية، خصوصاً أن الحياة لا تخلو من المنغصات، وأن كل رجل وامرأة لديه طبيعة خاصة، وكي تسير عجلة الحياة يجب أن يسود التفاهم، وأن يكون هناك سعي حقيقي من أجل التوافق، موضحاً أن الأسر التي تلجأ إلى مستشارين أسريين تبرهن على أنها تبحث عن حلول وخبرات تستطيع أن تقيم جوهر المشكلة وتعمل على حلها، ويرى أن من الضروري أن يكون هناك حوار مفتوح بين الأزواج، ومكاشفة حتى تتلافى السلبيات، ويشعر كل طرف بأن هناك تقديراً من الآخر.

من أجل العشرة

تذكر خولة أنها بعد خمس سنوات من الزواج، اكتشفت أن امرأة أخرى تحاول الاستيلاء على زوجها، وبرغم أنها لا تمانع زواجه للمرة الثانية، لكنها علمت بأن هذه المرأة طامعة في مال زوجها، وأن تود أن ينهار بيته الأول، وهو ما أوضحته لزوجها بعد مكاشفته بالأمر، وتلفت إلى أنه لم يستجب لها في البداية، لكن الأيام كانت كفيلة أن تثبت له أن ما قالته له هو الحقيقة، وتشير إلى أنه مع تصاعد الخلافات، وعزمها على ترك المنزل، أصر زوجها على بقائها، حفاظاً على العشرة والأولاد، وأنه جنح للصلح حتى لا يتداعى عش الزوجية خصوصاً، مبينة أنها كانت دائماً وفية ومخلصة، وأنها لا ينقصها شيء.

العودة إلى البيت

ولا تخفي إيمان مدى غضبها من بعض تصرفات زوجها، والتي تصل في بعض الأحيان إلى القسوة، وهو أمر لم تألفه قبل الزواج من أبيها وأمها وأخوتها الذين يكبرونها، لافتة إلى أنها أخبرت زوجها أن بإمكانها أن تتحمل أي شيء إلا النيل من كرامتها كلما فعلت شيئاً على غير هواه، وتبين أنها طلبت منه الطلاق، وبعد تدخل الأهل والأقارب وحتى الجيران عادت إلى البيت حتى لا تنهار دعائمه، وأنها فوجئت بتغير سلوك الزوج للأفضل، وهو ما جعلها تشعر بالاستقرار بعد أشهر عدة من الخلافات التي تصاعدت بشكل مبالغ فيه، وتؤكد أن الصلح أمر ضروري قبل اتخاذ خطوات من شأنها أن تقض دعائم بيت الزوجية.

وعي أسري

تشير الدكتورة أمينة الماجد إلى أن خلق أجواء ترفيهية في محيط الأسرة يؤدي إلى رفع مستوى التفاهم بين الأزواج الجدد وأنه لابد من أن يدرك كل طرف أن الحفاظ على سياج الأسرة في حدودها الطبيعية من أولويات الحياة الزوجية حتى تتحقق عوامل تحمل المسؤولية الموزعة على الطرفين وتدعو الماجد إلى ضرورة رفع الوعي بقيمة الأسرة وتماسكها لدى الجيل الجديد من خلال كل القنوات.

ثقافة التسامح «خارج الحسابات»

يبين الدكتور جاسم المرزوقي، استشاري الإرشاد النفسي والتربوي، أن ارتفاع الوعي بين الكثير من الأسر يساهم في حل المشكلات، خصوصاً أن الجهود التي تبذلها المؤسسات المعنية في الدولة كبيرة، وساعدت في وضع رؤية متكاملة لواقع الأسر في المجتمع، مما يبعث روحاً توافقية بين الأزواج المتخاصمين الذين ظنوا أن مركب الحياة لم يعد قادراً على السير، ويرى أن المبادرات الشخصية والعلمية التي تدعو إلى تماسك الأسرة، وتدعم استقرارها، كان لها تأثير إيجابي، وأن نسب الوعي لدى الأزواج بضرورة تخطي الخلافات ترتفع بصورة مبشرة، ويلفت إلى أن الإعلام بكل وسائله له دور في نشر ثقافة التسامح، وعدم الرضوخ لبواعث المشاجرات الأسرية التي من الممكن أن تهدم الحياة الزوجية بصورة مفاجئة.

استقرار البيوت في أزمة

يقول مؤلف كتاب «الطلاق مشاكل وحلول» الدكتور أشرف العسال، مستشار أسري سابق بدائرة القضاء في أبوظبي: «إن من أخطر ما يواجه الأسرة ظاهرة الطلاق، وما من شك في أن التوجيه الأسري ضرورة لتفادي استمرار الخلافات، فهو جزء أصيل في المحاكم، وقد نجح في الإصلاح بين الأزواج، فضلاً عن أنه قد يصل بالمتخاصمين إلى بر الأمان من خلال الصلح والوفاق أو الطلاق باتفاق»، ويشير إلى أن التدخل للإصلاح بين الأزواج بمثابة صمام أمام الأسرة الذي ينقذها من التشتت، ويلفت إلى أن ارتفاع نسب الصلح في العام الجديد يؤشر لاستقرار البيوت، بفضل الجهود المبذولة والتوعية والبرامج المكثفة والمحاضرات والدوريات، فضلاً عن دور الإعلام بكل وسائله المختلفة.

وينصح العسال الأزواج الذين يشعرون بالتعثر في الحياة، وعدم القدرة على إكمال المشوار، أن ينظروا إلى أبعاد أخرى، تتمثل في الأسرة التي تم تكوينها وأهميتها وضرورة الاهتمام بها، خصوصاً أن الحياة الأسرية بوجه عام تحتاج للتوعية قبل أن تبدأ في البناء، حتى يتعرف الرجل والمرأة إلى طبيعة العقبات المتوقعة في المستقبل، كما أنه يجب ألا ينسى كل طرف بأن هناك أبناء يحتاجون للرعاية والاهتمام، ومن أجلهم يجب أن تذوب كل المشكلات.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا