• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

قدستها الحضارات ونسجت حولها الأساطير

النخلة.. قرينة المقدَّس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 مارس 2016

د. عز الدين عناية

احتكرت مدينة سوسة التونسية مرابع صباي ومرتع طفولتي دون سواها، فالمدينة ساحلية فاتنة أغرت الفينيقيين قبل ألف عام من ميلاد السيد المسيح، فحطوا بها وجلبوا إليها شجر الزيتون، وما زالت سوسة وما جاورها من ربوع، مثل المنستير والمهدية وصفاقس، موطن غابات الزيتون، ما إنْ يغادر المرء العمران حتى يغرق في بحر من الخضرة، يوازي زرقة البحر التي لا تنتهي في الجهة المقابلة. لكن النخلة الباسقة، من حين إلى آخر، وسط تلك الخضرة الغامرة كانت تطلّ منفردة وحيدة، لا سيما قرب الآبار، ويندر أن ترى العين نخلتين أو أكثر متجاورتين، وكانت فعلاً علامة لافتة بعلوها الشاهق الذي يفوق سائر الشجر، فقد تسلقتُ في صباي كل أنواع الشجر وتمنّع عليّ النخل.

يزرع التونسيون النخلة طلباً للظلال والتبرك والجمال، وما كانت علاقتهم بها تزيد عن ذلك، لكنّ أشدّ ما كان يغريني أيام الصبا، ذلك المنظر الطافح بالخضرة، تطلّ من وسطه بغتة شجرة سامقة تلاحق عنان السماء لا تضاهيها الزيتونة طولاً مهما عمّرت، فكانت مدعاة للتأمّل والدهشة بالنسبة لي.

كانت تلك علاقتي بالنخلة حينها وإلى فترة الشباب، كونها موطن السحر والحسن والبهاء، حتى اكتشفت وجهاً آخر لها مفعماً بالقداسة مع إقامتي في بلد أوروبي وتخصصي في دراسات الأديان. تنبّهت أنها لم تشغل بال الإنسان شجرة، في التراث الكتابي، التوراتي والإنجيلي، مثلما شغلته النخلة. ويبرّر الإيطالي بييترو لاوريانو، في كتابه «الصحراء.. الحديقة المجهولة» الصادر عن «دار جونتي» (1989) ذلك، بخصوصية الشجرة البيولوجية وطبيعتها، التي تقف في منتصف الطريق بين عالم النبات وعالم الحيوان، مما حولها إلى شجرة مفعمة بالقداسة والبركة في المخيال الديني، سواء مع الذين هادوا أو مع أتباع المسيح. ولعل هذا التواشج بين الإنسان والنخلة ما دفع أبو حاتم السجستاني، فيما مضى، في «كتاب النخلة» لعدّها سيدة الشجر، والذهاب إلى أنها خُلقت من أفضل الطين الذي تبقّى من خلق آدم وقُدِّر لها أن ترافق الإنسان في الجنة، فعراقة هذه الشجرة الضاربة في القدم، جعلتها رفيقة الكائن البشري منذ عهود سحيقة، وتساميها وهي تعلو، تبدو وكأنها تحثّ الخطى بحثاً عن رابط يربط السماء بالأرض، لكونها أخت آدم، تبوح بذلك كما لا يبوح أي شجر آخر، كما يقول ابن عربي في «الفتوحات».

الشجرة الأسطورة

في منتصف القرن التاسع عشر، حين انطلقت أولى الحفريات الأثرية في العراق وما جاوره، أزاحت الكشوفات الآشورية الستار عن رمز نباتي على هيئة نخلة يحيط به الملوك والحكماء، يضمّ رسم شجرة الحياة، الشجرة المقدسة، ومع قدماء المصريين كان يوضع سعف النخل على المومياوات، وعلى صناديق الموتى، تيمّناً ببعثٍ آمن هانئ. وفي بلاد المغرب الكبير، حتى التاريخ الراهن، لا يزال النخل رمزاً للبهجة الكبرى التي تصحب الزواج وعقد القران، حيث يجلس العريس إلى عروسه، وقد أحيطا بسعف النخل. وهذه العراقة ليست من خاصيات الحضارات السامية فحسب، بل نجدها شائعة في حضارات أخرى نائية، فقد كانت النخلة لدى شعوب الشرق الأقصى، من وادي السند إلى بحر قزوين، رمزا للألوهية لأنها «خالدة» لا تأبه بعواصف البحار ولا بِحرّ الصحارى. تروي أسطورة من شبه جزيرة كاليفورنيا أن أحد الأسلاف الهنود من زعماء الجزيرة أحسّ بدنوّ أجله، فأسرّ لذويه أنه يريد أن يصير نخلة، في حيز وزمن ما كان فيه نخلٌ في الكون (أي في جزيرتهم)، ومن هناك فصاعداً صار «مول»، أي نخلة، وتبدّل في هيئة شجرة عالية وارفة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف