• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

حاسة الصراط

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 مارس 2016

لينا أبوبكر

أن ينتهي العالم... أن تحفى المسافة وتشلح أحذية العابرين بعد أن تجتاز التيه، وتحط رحالها في زمن الخواء بلا قدمين ولا طرقات، أن تصل إلى ماضيك خالي الوفاض من ذاكرتك التي تلعب معك لعبة الغميضة.. يا لغونتر غراس اللعين، أن ترحل دون أن تسافر بلا حقائب ولا مناديل ولا دموع بلا أحبة ولا حنين، رباه ما أبشع الفراغ..... وما ألذ العزلة!

خبيث هو غراس، يعلمك كيف تصبر على ذاكرتك بطموحك، فتقشر البصلة التي تشبه بائع الألغاز الذي قرر أن يشفر نفسه، فيضطرك لتنقيح مادتها الخام، بحيث لا تستقر عليها كنص إلا وهي بين غلافين، كأنها عبارات مأخوذة من لوح ضريح مطروح إلى جوار أكوام من الأضرحة القبيحة التي مضى زمنها.. !

مرن جسدك على ذاكرتك اللاإرادية، حتى مع اللغة كن لا إرادياً؛ لأن جسدك هو حقيقتك الحسية والإدراكية والانفعالية التي تصل في قمة حيويتها إلى التخلي التلقائي عن إرادتها، وهذا ما يضعك دائماً على المحك مع نفسك، فأنت في حلبة صراع دائم مع كيانك حتى آخر قطرة من عمرك، يصبح جسدك تمثالاً أو كتلة صامتة لا تخسر من وزنها مجرد لفظها لكهربائها الروحية سوى 21 غراماً هي مقدار الحياة بأسرها، فهل أنت بحاجة إلى جسدك؟

علاقتك بلغتك علاقة حركية إذن وليست فقط انفعالية، إنها جسدك بأصغريه ونجديه وقدميه، فكيف يحتفظ جسدك بلغتك بعد أن تتحلل كتلته تحت التراب؟

عملية الكتابة بعد الموت ليست بهذه الصعوبة؛ لأن الراحة تتلف القلق، وكل ما تحتاج إليه بعد الاستلقاء الأخير هو الصحو مجدداً والسفر عبر اللازمن «الغيبوبة» إلى البرزخ، بين نصف يقظة ونصف إغفاءة، يصير جسدك جهازاً ميدانياً أو بالمعنى الإبداعي: مكانك، فهو برج في باريس وكنيسة في روما وبندقية في جبل النار، وشجرة برتقال في حيفا ونافذة طلقة في زنزانة أسير، وسرير لعشق مهجور، واعتراف في محكمة القبور، ولص في بنك الدم! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف