• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

منها انطلقت حركة الحداثة السياسية والفكرية والأدبية

تونس.. عبق الزمان العتيق

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 مارس 2016

حسونة المصباحي

مغادراً الحمّامات، حيث أقيم، إلى العاصمة، أقول لنفسي وأنا في الطريق إليها، إنّ أجمل شيء أفعله، خصوصاً إذا ما كان الطقس بديعاً، هو أن أقوم بجولة هادئة ومتأنية في المدينة العتيقة. ذلك اليوم، كان الصباح مشرقاً بأنوار المتوسط، رغم أن نوفمبر كان على وشك الرحيل. شربت قهوة في «باب البحر» (القسم الأوروبي من العاصمة) ثم تركت مثقفين يتجادلون بأصوات عالية حول «ربيع عربي كاذب»، ومضيت باتجاه المدينة العتيقة بشوق الحبيب إلى الحبيبة...

عبرت الساحة الجميلة التي كان ينتصب فيها تمثال «جيل فيري» خلال الحقبة الاستعماريّة لأجد نفسي في نهج «جامع الزيتونة» وقد ازدحم بالمارة، وامتلأ بأصوات الباعة والمشترين ومرتّلي القرآن. وفي الحين شعرت أني انتفلت إلى عالم آخر، وإلى نمط حياة أخرى يختلف عن ذلك الذي يتميّز به الحيّ الأوروبي الذي أقامته فرنسا بعد احتلالها البلاد في العام 1881.

فضاءان متباينان

خلال الزيارة التي قام بها إلى تونس العام 1886، كتب الفرنسي اندريه جيد في يوميّاته يقول إن الحي الأوروبي «شوه» إلى حدّ ما الصورة الحقيقية لتونس، المدينة العربية المسلمة. وفعلاً يمكن لواحد مثلي أن يعاين بسهولة ويسر أن العالمين، عالم الحي الأوروبي، وعالم المدينة العتيقة، يجسّدان رؤيتين متباينتين كانت لهما تأثيرات مهمّة وخطيرة في مختلف الأحقاب في التاريخ التونسي المعاصر. وبين هاتين الرؤيتين اللتين يحددها البعض بـ «المعاصرة» و«الأصالة»، اندلعت معارك حامية، وصراعات مريرة انعكست على الحياة السياسية والثقافية، وعلى أسلوب الحياة اليوميّة، محدثة شروخاً عميقة في نسيج المجتمع التونسي. وقد برزت هذه الشروخ بعد انهيار نظام بن علي، مبرزة تيارات دينية وسياسية متشبثة بالماضي، ورافضة للحياة العصريّة في مختلف جوانبها، وراغبة في عودة عادات وتقاليد انتفت وما عاد لها وجود سوى في الذاكرة.

كان المصلح الكبير خير الدين باشا التونسي (1820-1890) أوّل من سعى لبلورة رؤية تحديثيّة كان الهدف منها «إيقاظ المجتمع التونسي من سباته الطويل» على حدّ تعبير أنصاره من شيوخ الدين وأعلامه. ولتجسيد رؤيته التحديثية، أنشأ خير الدين باشا «المدرسة الصادقيّة» التي أرادها أن تكون، خلافاً للجامعة الزيتونية، منفتحة على العلوم الحديثة، وعلى أساليب التمدّن الأوروبي. وقد أقيمت «المدرسة الصادقيّة» على مرتفع يشرف على المدينة العتيقة التي أقيم القسم الأعظم منها في فترة الدولة الحفصيّة التي حكمت البلاد من سنة 1228 إلى سنة 1573. وباستطاعتنا أن نقول إن اختيار الموقع المذكور لبناء أوّل مدرسة عصرية لم يكن بريئاً، بل قد يكون محمّلاً بدلالات تشير إلى أن خير الدين باشا أراد أن يثبت لخصومه ولأنصاره أن رؤيته التحديثيّة تتعارض مع أفكار قسم من شيوخ جامع الزيتونة الذين كانوا رافضين للغرب ولحضارته، ومن الماضي البعيد يستلهمون رؤاهم للدين ونظام الحكم ونمط الحياة. لذلك ستكون «المدرسة الصادقيّة» مقصد رموز النخبة التونسيّة المتطلعة للرقي والتقدم والإصلاح والتحديث، ومنها سيتخرّج أعلام في السياسة والفكر والأدب من أمثال البشير صفر وعلي باش حامبة والحبيب بورقيبة والدكتور محمود الماطري ومحمود المسعدي وغيرهم. وعقب احتلالها لتونس في العام المذكور، قامت فرنسا بإنشاء ما سيصبح «الحيّ الأوروبي». ومنذ ذلك الوقت انقسمت تونس العاصمة إلى فضاءين مختلفين ومتباينين: فضاء كولونيالي في معماره، وأسلوب حياته، وفضاء عربي إسلامي يعكس العادات والتقاليد التونسية القديمة، ويحيل الذاكرة إلى المراحل التي سبقت احتلال البلاد. ورغم أن السلطات الاستعماريّة سعت جاهدة لتقليص دور المدينة العتيقة، والحدّ من تأثيراتها في جميع المجالات، بهدف «فرنسة المجتمع»، وتذويب هويته، واستئصاله من جذوره، فإنها، أي المدينة العتيقة، ظلّت تشكلّ على مدى يزيد على السبعين عاماً، الفضاء الحيويّ للحركات الوطنية والثقافية والفنية بجميع فروعها وتيّاراتها. وكانت مقاهيها ونواديها ومدارسها ومكتباتها تستقطب أهمّ الزعماء والقادة السياسيين والشعراء والكتاب والصحافيين. ومن المدينة العتيقة، انطلقت «في أواخر القرن التاسع عشر حركة الشباب التونسي» بزعامة المناضل الوطني علي باش حامبة الذي ستنفيه السلطات الفرنسية ليموت بعيداً عن الوطن عام 1920. وفيها نشط الزعماء الوطنيّون الكبار من أمثال البشير صفر مؤسّس «الخلدونية» التي ستكون منبراً ثقافياً وفكرياً، فيها سيلقي أبو القاسم الشابي محاضرته الشهيرة «الخيال الشعري عند العرب». كما نشط فيها الشيخ المصلح عبد العزيز الثعالبي مؤسس الحزب الدستوري والذي سيجوب العالم الإسلامي للتعريف بأفكاره الإصلاحية، فكان في القاهرة، وفي بغداد، وفي اليمن، وفي الكويت، وفي الهند، وفي إندونيسيا. وفي المدينة العتيقة، استقبل الشيخ محمد عبده رموز النخبة التونسية المتطلعة للإصلاح والتحديث في الزيارتين اللتين قام بهما إلى تونس في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف