• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

كان دائماً يبدأ من الأرض وليس من السماء

سقراط ليس مثالياً

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 مارس 2016

حنا عبود

اتهم سقراط بالمثالية، بناءً على المحاورات الأفلاطونية الأولى التي نسبت كل الأفكار إلى سقراط. وقد أجمع الباحثون أن المحاورات الأولى «سقراطية» بامتياز، وإن اتهموا أفلاطون أنه شرح أفكار أستاذه بأمثلة من عنده، ولكن أحداً لم يتهمه أنه حرّف آراء سقراط. ولو عدنا إلى سقراط، حياةً وتعاليم، لما وجدنا فيه من تهمة المثالية سوى ما وصف به النفس البشرية قبل أن تتجسد، وما سوى ذلك ليس فيه من الجنوح إلى الخيال شيء، ولا لجأ إلى المثالية في شرح موقفه. وبلغ الأمر به أنه لم يكن يؤمن بالكتابة، لأن العالم يتغيّر بينما ما تكتبه ثابت لا يواكب التطور، فيأتي يوم يلعن فيه الناس الكتابة والكاتب، لتناقض المكتوب والمنظور، فحذا حذو بوذا، وحذا حذوه المسيح. التعاليم الشفهية تكون في عرف سقراط مرنة تسير مع الحياة، وتتطور بتطورها، وتتجدد بتجددها، وليس كالكتابة الجامدة. وهذا موقف ينم عن نظرة واقعية جداً.

لم يتغير شيء منذ سقراط حتى اليوم فيما يسمى «السياسة» فلا تزال كما هي، أو كما وصفها ميكيافيللي. ولنكتف فقط بالنظر إلى الأنظمة الديمقراطية في الغرب، فهي لم تختلف عن الديمقراطية اليونانية التي اضطهدت الفلاسفة والمفكرين، فأعدمت سقراط، ونفت فيثاغورس... وديمقراطية الغرب شبيهة بديمقراطية اليونان في الممارسة، فأثينا الملقبة «أم الديمقراطية» فرضت على الجزر حلفاً بالإكراه، ونصبت أنصارها الطغاة على تلك الجزر المجبرة على الرضوخ لسياسة الحلف، ولم تنج تلك الجزر من الطغيان إلا بعد مكابدة ومعاناة. وديمقراطية الغرب فعلت الأفاعيل، تحت الشعارات البراقة، التي تدعو إلى السلم والعدل والمساواة، تمارس سياسة أسوأ من الطغاة بكثير، فـ «الديمقراطيات» الأوروبية هي التي غزت الصين والهند... والشرق بكامله، وقامت من قبل بإبادة شعوب المكسيك والبيرو... وكل شعوب أميركا الجنوبية. أما أميركا الشمالية فلم يجر القضاء على سكانها الأصليين- الذين حاربوا مع الأمريكان ضد الإنجليز، إلا بعد أن توطدت الديمقراطية، ولم يبق منهم اليوم سوى أعداد قليلة تعيش في بعض البقع الشبيهة بالمتاحف، يؤمها الزوار الأجانب للفرجة وحب الاستطلاع. يبدو أن «القوة» التي مجّدها نيتشه، هي السياسة «الطبيعية». فعندما تظهر القوة، على حدّ تعبير ماكس شتيرنر، لا يوجد رادع يوقفها، بل ستفرغ كل طاقتها، وتصل إلى مداها.

ولا تزال السياسة اليوم كما كانت بالأمس. فالمنزهون قلة، كما في عهد سقراط، والمداهنون كثرة، كما في عهد سقراط. سقراط الذي لم يُدرس كمفكر سياسي، كان أعظم مفكر سياسي، لربطه السياسة بالتربية وربط التربية بالفضيلة، وربط الفضيلة بالمشرع (الإله أو الإنسان) ورجل الدولة (السياسي) ومنتج القيم (المادية: كالمزارع والصناعي... والمعنوية كالفنانين والشعراء...). ومن هذه الفضيلة، التي أكثر من تحديدها، تبدأ السياسة الحقيقية في إدارة شؤون الجسد والروح.

التربية السياسية

لم يتطرق سقراط للفيزياء ولا للميتافيزيقيا. ولا تكلم عن الخلق والتكوين، بل لم يشر إليهما في كل أحاديثه. إذن لم يحلق في السماء، كما صوّره أرستوفانس، بل درج على الأرض، وعاش بين الناس. وهو أول رجل من أصل أثيني يحقق مثل هذه الشهرة. ومنذ أيام ليكورجوس، المشرع الأول، بدأت تظهر كلمة سياسة، التي تعني ‘المدينة’، بمعنى الاهتمام بشئون الإدارة والتنظيم والسكان... الخ. وهذا ما اتجه إليه سقراط، فلا ليكورجوس ولا صولون ولا بقية المشرعين اعتمدوا العالم السماوي في التشريع الأرضي، بل كانت نظرتهم واقعية تقوم على الإحصاء والتنظيم قبل أي شيء، من غير التطرق إلى الأديان القائمة، بل بالعكس، يجب احترام شعور الجماعات في عقائدها، على أن يكون التشريع مشتركاً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف