• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م

جذوة المكان.. "شجرة التين تُزرع في الجميرا"

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 02 فبراير 2007

أحمد خضر:

لم تحدثني عن نفسها في أي يوم من الأيام ، لكن الأم باختصار هي الحياة ، كلمة جميلة رقيقة رائعة تجعلنا نحس بخصوبة الحياة ، وحيويتها ورغبتنا في استمرارها وتجددها ، وحين يتحدث الإنسان عن أمه فإنه يتحدث عن ملاك طاهر بالنسبة إليه ، لأنه يرتبط معها بعلاقات روحية ومادية عميقة تكسبه ملامح شخصيته ، وتكرس ذاته في الحياة والوجود

لم تحدثني عن قصص ( الزير سالم )

و ( ألف ليلة وليلة ) لكنها كانت تدثرنا بثوب من العطف والمحبة والحنان ، وتغني لنا بصوتها الشجي الدافىء كي ننام في أحضانها بعيداً عن إرهاصات الواقع ومواجعه ، وكان ذلك الصوت ولم يزل أشبه بطبق الحلوى بعد غداء دسم وثقيل على النفس . لكن ليس معنى هذا أنها كانت تتخذ من عواطف الأمومة الزائدة هروباً من واقع بقيت ترفضه منذ اليوم الأول لزواجها من والدي على امتداد أربعين عاماً ، لم أرها ابتسمت في وجه والدي ولو مرة واحدة ، كانت منحازة لأولادها ، تغدق عليهم بالابتسامات الجميلة المشرقة ، وتجود بالضحكات السخية العذاب ، التي كانت تشعرنا أن الأرض ليست مسكونة إلا بابتساماتها وضحكاتها ، أبناؤها كانت تدفعهم إلى الأمام ، وتريدهم أن يركبوا الصعاب ، ويتحدوا المستحيل ، أما زوجها فكانت تعتقد أنه جرح كرامتها حين أهان والدها في الأيام الأولى من زواجها ، ولم تغفر له ذلك طيلة حياته ، باختصار كانت ترفض القهر بإباء وشمم ، ولم تستطع أن تجيد لعبة الذكاء والاحتواء مع ذلك الزوج الشرقي الذي يتربع في مقصورته ، يأمر وينهي فيطاع ، كانت أمي تحترق مرتين مرة لأنها لا تبستسم ولا تضحك في وجه أبي ، ومرة أخرى لأنها تملأ الدنيا بالابتسام والضحك في وجه الأبناء ، لم تمارس معنا سياسة الثواب والعقاب ، بل سياسة الترغيب والثواب والكرم والتحفيز والثناء ، وكل واحد منا حتى ونحن أطفال كان يصدر أوامره ، ويمارس ديكتاتوريته الطفولية على تلك المرأة العظيمة في مواصفات عصرها وزمانها ، وكانت تستجيب لنا عن رضى وطيب خاطر ، وهي تضحك من القلب ، أما نحن الأبناء فبقدر ما كنا نحب أمنا ، ونحب أهلها في تلك الأيام ، بقدر ما كنا فخورين بوالدنا ، ولا نقبل له الضيم أو الانكسار .

أمي امرأة قروية ، كانت تسابق الرجال في حصاد القمح ، وقطف الزيتون ، وكان جدي يقول لهم ، من يسبقها سوف أزوجه إياها ، وكانت دائماً في المقدمة ولا أحد يسبقها ، كانت في صباها مثل الفرس ، أصالة وجمالاً وعطاء ، وما زالت حتى اللحظة رغم كبر السن ، وتبدد العمر تظن أنها كذلك ، هي ابنة الأرض الخضراء الني تلبس بوجودها ثوب الحزن أو الفرح ، تقول لي دائماً : ( إن الأرض هي روحها ) ، وهذا صحيح ، فمهما كانت الأرض غنية أو مليئة بالخيرات فإنها تكون ناقصة إذا ابتعد أبناؤها عنها أو حطوا من قدرها ومكانتها ومثلما قال أحد الفلاسفة ( الأبناء الأحرار يصنعون الوطن الحر ) إن الوطن هو الحرية ، ولا يستطيع الإنسان أن يمتلك حريته الحقيقية إلا في وطنه ، حتى أولئك الذين ابتعدوا عن أوطانهم بسبب أوضاع سياسية أو اقتصادية يظلون في أفضل الأحوال غرباء وضيوفاً ، وكان عبدالرحمن الداخل شاعراً رقيقاً لم ينس قط وهو الملك المتوج في الأندلس وطنه العربي الأول ، لم يخفت حنينه إلى الديار ، إلى الشام حيث شب ونما ، ولا إلى أهله وأحبته وذويه فيقول مناجياً دياره الأولى :

أيها الراكب الميمم أرضي ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال