• الأحد 09 ذي القعدة 1439هـ - 22 يوليو 2018م

أدار ظهره للعبث.. ورحل

بلفقيه.. من البدايات حتى النهاية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 05 يناير 2018

بقلم: د.عبدالله المدني (أكاديمي وكاتب بحريني)

اخترق صوته القوي مسامعي لأول مرة، وأنا في سن الثانية عشرة، وقتها كانت الأسطوانات البلاستيكية الرخيصة يونانية المنشأ انتشرت في الأسواق، وكان جار حضرمي لنا يديرها طوال ساعات النهار في مقهاه الشعبي، وهو يدندن بمتعة أغنية كانت صاخبة قد ظهرت للتو اسمها «شلنا يابو الجناحين طائر».. ولما كنا وقتذاك واقعين تحت سطوة الأغاني المصرية العاطفية، فقد استفزني صاحب المقهى الحضرمي بعمله، فذهبت له شاكيا من تلك الأغنية الغريبة، ومطالباً إياه استبدالها بإحدى أغاني عبدالحليم حافظ الذي كنا نعشقه بجنون. رفض الحضرمي، بطبيعة الحال، طلبي، بل ونهرني قائلاً، «إنت بعدك صغير، ولا تفهم في الفن الأصيل».

مرت بعد ذلك سنوات لاحظنا خلالها انتشار تلك الأغنية عبر الأثير مع انتشار صورة صاحبها على واجهة محال بيع الأسطوانات، وأثناء تلك الفترة أيضاً زاد وعينا، وتطورت ذائقتنا الفنية، واكتشفنا أن للفن والموسيقى أبواباً أخرى غير الباب المصري لنطرقه ونتمتع بمخزونه. ثم جاءت سنة 1968 التي حاز فيها صاحب تلك الأغنية الصاخبة جائزة الأسطوانة الذهبية المقدمة من شركة إنتاج يونانية، أما المفارقة، فقد كانت أقتسامه الجائزة مع مطربنا المحبوب حليم لبيعه أكثر من أربعة ملايين نسخة من ألبوم، «متى أنا شوفك يا كامل وصوفك». وقتها فقط عرفنا أنه «مافيش حد أحسن من حد» وأن أبوبكر سالم بلفقيه في قامة حليم فنيا وإنْ جاء كل منهما من مدرسة طربية مختلفة.

مدرسة موسيقية

بلفقيه، الذي فقدناه في العاشر من ديسمبر 2017 عن 78 سنة بعد صراع مع أمراض القلب والفشل الكلوي (صلي عليه في جامع الجوهرة البابطين بحي الياسمين في الرياض ودفن في مقابر البانبان شمال الرياض) حفر في الصخر حتى غداً فناناً كبيراً يشار إليه بالبنان، ومدرسة موسيقية ذات ملامح خاصة خرّجت جيلاً كاملاً من المبدعين، وشخصية جمعت ما بين الغناء والعزف والتلحين والتوزيع، علاوة على كتابة كلمات أغانيه بنفسه. والجزئية الأخيرة كان وراءها ثقافته الشعرية التي بدأت مبكراً بدليل أنه كتب الشعر، وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من العمر، وذلك حينما كتب قصيدة «يا ورد محلا جمالك بين الورود».

ولد أبوبكر بن سالم بن زين بن حسن بلفقيه في 17 مارس 1939 بمدينة تريم الحضرمية التاريخية لأسرة متدينة عُرفت في حضرموت بالعلم والأدب والشعر. وقد أطلق عليه والده اسم «أبوبكر»، تيمناً باسم جده الأكبر العلامة أبوبكر بن شهاب الذي كان من أبرز علماء حضرموت. وحينما توفي والده، وهو لم يكمل عامه الأول تولى رعايته جده زين وعمه حبشي، ووالدته المنتمية إلى أسرة الكاف المعروفة في اليمن والسعودية وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، والتي رفضتْ الزواج مجدداً لتوهب نفسها لتربية ابنها الوحيد.

التحق الطفل اليتيم أبوبكر بمدرسة «الإخوة» في تريم، حيث تعلم القرآن وعلوم الفقه وقواعد اللغة العربية، وحينما كبر التحق بمعهد إعداد المعلمين بمدينة عدن الذي زامل فيه شخصيتين من ساسة اليمن المشهورين، هما «محمد سالم باسندوة» و«عبدالله الأصنج». وحينما تخرج بلفقيه من المعهد المذكور في العشرينيات من عمره، عمل مدرساً متميزاً للغة العربية لمدة ثلاث سنوات، ما بين تريم وعدن، كان خلالها عضوا في نادي القطيع الرياضي في «كريتر» بعدن، ويلعب في فريقها لكرة القدم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا