• الاثنين 29 ربيع الأول 1439هـ - 18 ديسمبر 2017م

قصة "زعتر وزنجبيل"

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 فبراير 2007

د. سعاد زايد العريمي:

اندفقت ثلوج واشنطن بغزارة في ذلك المساء وخلتها تندلق في جوفي فشربتها ولم ترو ظمأ الصحراء المتجذر في داخلي. ثلوج بيضاء تلوح كضوء خفوق، كالبَرَد، كالماء، تفصلني عن سواد الليل المتربع على عتبات الأفق. ثلوج تجذر القحط المختزن في الذاكرة وتغيم بين الإدراك واللاشعور فأسدل دثارالثلج كخيمة يظللها الغبار، وادخل بين الكهوف وأعلن عجزي عن استيقاف تلك الليلة الذاهبة كخشخشة ريح.

عربات تخفق خلف نافذتي.. خلف أسوار الحديقة ثم تتيه في أزقة الصحراء ولم أر سوى أشباح بعيدة لضباب يتكوم بفعل الغليان، احترقت وريقات الزعتر المتناثرة من قبضة يدي ولم أبه بها.. ولم أبه لتسلل الضوء وانعكاسه على الركوة المرتجفة بين أصابعي. ضياء يشق غبار الثلج المتراكم على ذاكرة الشتاء ليعلن عن شروق الشمس.. شعاع يتكسر على ظهر نافذتي ويغمر الممرات ويتركني أفتش عن نوم هنيئ.. نوم مكتنز بالأحلام.. فأغفو على أبخرة الزعتر واختناقات الزكام وصوت سلامة بنت فرج يهدهدني:

''اشربي الزعتر والزنجبيل، زين عن الزكام'' ثم تمضي وأحس بأن خلفي مجرات مهشمة تدفعني إلى مياه مضطربة فامشي واتركها ترعد تحت قدمي.

في سكة خيل دبي كنت اخطر كالغريبة، ازن خطواتي وزناً.. ابحث عن امتداد للمكان ولم أجده.. للزمان ولم اهتد إليه. أُباغت بزمن يتهدج رويدا رويدا وعصر مغيب وراء الأضواء المشتعلة الضاربة على وجوه المارة والمرتكزة على ثغور النساء المنبهرات بما تعرضه المتاجر من أمتعة، وقفت اتامل تلك النسوة وهن في حالة حركة دائبة.. مهرولات، غاديات و مدبرات.

على مقربة من المشهد جلس رجل كهل شاخصا ببصره ناحية المجهول، تتقاطر الحبات المرجانية بين أصابعه متناغمة مع تمتمة غير مسموعة يلهو بها وهو زائغ البصر. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال