• الخميس 27 رمضان 1438هـ - 22 يونيو 2017م

من المُهَيْمنات الكبرى على الأدب

ثنائية الضحية والجلاد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 فبراير 2017

لطيفة لبصير

تعتبر ثنائية الضحية والجلاد من أبرز الثنائيات المهيمنة في الإبداع الإنساني عموما، وتتجسد هذه الثنائية من خلال رغبة المبدع في مقاومة الجلاد، ولكن الكثير من قراء الأدب والإبداع عموماً يرون أن هذه الثنائية لها الحضور الأقوى في أدب السجون وحده، بحيث ينقسم محور هذا الأدب إلى فرعين يتجادلان على الدوام من أجل أن يقضي أحدهما على الآخر.

وتتكرر ثنائية المقاوم والجلاد بالفعل في العديد من هذه الأعمال الأدبية، بحيث نشعر بأن كل هذه الأعمال بنيت ضد الجلاد، ويمكن أن نشير إلى روايات وسير ذاتية ترتكز على هذه الثنائية وتؤرخ لها في ارتباط بالعديد من المراحل السياسية، واذا ما أردنا أن نمثل لذلك من خلال السياق العربي، يمكننا أن نذكر «كان وأخواتها» لعبد القادر الشاوي، «سيرة الرماد» لخديجة مروازي، «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف، و«العين ذات الجفن المعدني» لشريف حتاتة.

وحين نعيد التفكير في هذه الثنائية، نجدها ثابتة في نواة الأدب بشكل عام، بل إنها يمكن أن تشكل محور الإبداع ككل؛ لأن الإبداع لا يقاوم فقط جلاده الملموس، ولكن الرمزي والمتخيل أيضا. ووفق هذا المعطى، فإننا إذا غيرنا منظورنا لهذه الثنائية، فسنغير من رؤيتنا لكل ما يبنى في الأدب، فإذا عدنا مثلاً لرواية «الاخوة كرامازوف» لدوستويفسكي، نرى أن هذه الرواية بنيت ضد كل مفاهيم الأبوة، ذلك أن الرغبة في القتل كانت تحذوها الرغبة في قتل السلطة بشكل عام، فالجلاد هنا هو الأب الذي يعكس اللاوعي العائلي الذي بني على نظام يكرهه الأبناء؛ لذا فإن قتله هو رغبة في التخلص من كل الاستيهامات التي تشكل بالنسبة للأبناء إعادة بناء تصورهم عن الأب كما هو بقوانينه الرمزية، أو كما يقول فرويد في كتابه «الطوطم والتابو» بأن قتله سرعان ما يجعل الأبناء يجددون الرغبة في أب جديد، فيعملون على بناء طوطم ينظم حياتهم، ولكن في الآن نفسه يدفعهم إلى التكفير عن الذنب الذي كانوا يشعرون به حين قاموا بعملية القتل.

إن السؤال الذي يبدو لنا أساسياً، ونحن نفكر في هذه الثنائية التي طالما ألهمت الإبداع بشكل عام، هو ألا يصل الأدب حين يقاوم جلاديه إلى أن يخلق بعد تحقيقه لهذا الانتصار إلى خلق جلاد جديد، مثلما يحتاج العالم بأسره إلى خلق أبوة جديدة كلما تم إعدام الأب القديم.

معظم الآداب العالمية قاومت الجلاد في ثنايا متونها، فـ «الحرب والسلم» لتولستوي، و«ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشل، إلى غيرها من الأعمال دانت الحروب، حتى الأعمال التي لا تنعت جلادها بشكل مباشر بنيت على مقاومته بوساطة اللغة والحبكة والتأثير في المتلقي، حتى أننا نشعر ونحن نقرأ رواية «السيدة دالوي» لفيرجينا وولف وهي تتحدث عن الجندي الذي يعاني اكتئاباً حاداً بعد الحروب ويسمع أصواتاً مرعبة وفي الأخير يقرر أن ينتحر ويرمي نفسه من طابق علوي، كل هذه الصور كانت تدين الحروب والجلادين الذين خلقوها.

ويناقش الباحث الفرنسي «بيير بايار» في كتابه «هل كنت سأكون مقاوما أم جلاداً؟» هذه الثنائية واضعا محوراً أساسياً عن الآثار النفسية التي تنتقل في الإبداع أيضاً. ونحن نقرأ الأعمال التي ضجت بهذا المحور، متسائلاً أين كنا سنضع أنفسنا، ألا نتأثر بكل ما نقرأه ودون أن نشعر نجد ذواتنا في مكان ما؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا