• الاثنين 27 رجب 1438هـ - 24 أبريل 2017م

رمقُ الكلماتِ الأخير

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 فبراير 2017

أمل إسماعيل

أحقنُ جسدَ النّص بمَصلِ مُلون يتمَشّى في عروقه الشفافة فينشرُ لونه على كل ما يمر به من خلاياه الطّرية، فتُضحي مرئيةً لي وللآخر. فهل أمنحُها حياةً أم أنني أشوّه ذلك الجسدَ المعجون بماءِ الحوريات!

أتساءلُ عمّا أفعلهُ وأنا أتأبّط نصًا آخر، ثم أقنِعُهُ بأنّ ملابِسَه هذه لا تلائِمُه، وأنّ في وسعي تقديمه إلى عالمٍ جديدٍ مختلف، ليتعرّف إلى قُرّاء جاؤوا من مدينة العجائب ليستمتعوا بقراءته، واكتشاف معانيه الجديدة والفريدة والمغايرة لما ألفوا من نصوص تقليدية. يهزُّ النَّصُّ رأسهُ ويَتَعرّى واثقاً من أنني سأصونُ تفاصيل جسده وعيوبه التي لم يُحسنْ إخفاءَها صَاحِبُهُ الأوّل تحت طيّات ملابس لغة أخرى ادّعيتُ أمامَهُ بأني أملكُ مفاتيحها، وأسبِرُ أغوارها (1).

وعندما أفرغُ من مداعبة الكلمات، ويتبدّدُ الشّغف، تبدأ رحلة الشّكِّ المقيتة، وأتساءلُ عمّا ارتكبت يداي من جُرْم، وحروفي من تشويهٍ في ذلك الوجهٍ الذي بَدا بديعاً في اللقاء الأول في تلك المدينة الغريبة. أقفُ على مسافةٍ مني ومِنه، مُقَيِّماً تلك العلاقة التي نشأت وازدهرت وماتت على فراش مُبَلّلٍّ بالمعاني، لتستقرّ أصابعي على جبهتي متذكراً كلمات كارلوس ليسكانو: «الفعلُ أولاً ثم التأمل. إن النّشوة والفرح اللذين يَشعر بهما ذلك الذي يشرعُ في الكتابة تحلّ محلهما، عاجلا أم آجلا، الشكوك إزاء فعل الكتابة، وينتهي بها الأمر شاكاً في الكتابة. غير أنه دون شكوك لن يكون في وسع الكاتب أبداً أن يعي نشاطه. ومن كاتب إلى إلى آخر، تتجدد الشكوك، وتبدأ المرحلة القاتمة فيشعر من يكتب بعبثية ما يقوم به، واستحالةِ أن يفعل ما يريده، وعَجزه عن مضاهاة الكتب العظيمة التي أعجِبَ بها. وفي لحظة ما، يمكنه الكتابة عن هذه الشّكوك، فيتحول الأدب إلى تأملٍ حَول فِعلِ الكتابة» (2).

أعمدُ إلى اختصار جلسات التأمُّل، وأكتفي بمحاسبةٍ سريعةٍ أحَرِّرُ فيها نفسي من الشّك، لأعود إلى سيرتي الأولى، باحثاً في الطرقات الغريبة عن حسناء تتلفعُ بِنصّ يُخفي مفاتنها، أتحوّل إلى كلب يتشمَّمُ عِطرَ الكلمات، ولا يضيرني أن أتجوَّل في الأزقةِ المُتعبة كـ«جان باتيست غرونوي» (3) متلَصِّصاً على حركات الأجسادِ التي تتعَرَّقُ عِطراُ وحياة. أتعثرُ بالرائحة، أتبعها، أغويها، أسرقُ لذّتي منها، وأفِرُّ مُنتصِراً مَرّة أخرى. انتصار مشبوب بالذاكرة، تلك التي تنبعثُ فجأة من تحت قدميّ، ثم تسيلُ تحتي، تبللني، ثم تندفعُ فجأةً فتكادُ تغرقني، ولا يُسعفني حينها أن أستنجدَ بكل ما كتبت، وأعود إلى حياة مهاجرٍ غريب اقتات على الكلمات، وما كان له إلا أن يحيا واحدةً من حياتين: «الأولى بلُغَةِ المكان، لغَةِ الأشياء العملية، والعمل، والشارع. والثانية حياة حميمية، حياة التأمّل والذاكرة التي تجري في لغة طفولته». (4).

أحاول العودة إلى موطني، متناسياً أنني تركتُ خلفيَ بصمةً لا تمحى، وأنّ على الأرض كائنات أخرى خلَّفتُها وأخشى من تحمّل مسؤولتي عنها. هكذا تبدو النصوص التي ترجمتها بمثابة أبناء غير شرعيين لي، لم يولدوا من صلبي، لكنني تبَنّيتُهُم، غيّرتُ أسماءَهُم –وربما شوّهتُ مَلامِحَهم الأصيلة– ثم مَنَحتُهُم كُنيتي وأسكنتهم أوراقي، وسَجّلتهُم في مطابع تُمَكّنهم من التفاعل مع نظرائهم في المجتمع، وولوج أروقة الأدب ومحافل الثقافة دون قيدٍ أو شرط، ثم عُدتُ فنبذبتهم وأنكرتهم، لأعيش صراعاً داخلياً، فلا أنا أملكُ جرأةَ التخلي الكامل عنهم، ولا الاعتراف بهم! (5).

لستُ عقيماً، لكنني لم أنجب من صُلبي أي طفلٍ أسهرُ على راحَتِهِ في الليل وأتحوّلُ إلى مهرج له في الصباح، عِوضاً عن ذلك ادعيتُ أبوة عشرات الأطفال، وربما مئات، بعضهم جاء على صورةٍ كاملة البهاء، والآخر كان مسخاً مشوهاً ما لبثتُ أن نبذته عني بعيداً. ثم إنهم يزورونني ليلاً، بعضهم يبدو رثّ الثياب والآخر يرتدي تيجاناً وعباءات مطرزة، تصطف النصوص على جانبي السرير، تتأملني، تبتسمُ لي، تشتمني، تقبّلُ يدي، تبصقُ عليّ: أنتَ الذي شكلتنا.. أنتَ الذي جعلتنا على ما نحن عليه! شكراً لك، بئساً لك! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف