• السبت 28 شوال 1438هـ - 22 يوليو 2017م

الحكي احتفاء بالزمن

السرد والمحتمل والكلمات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 فبراير 2017

سعيد بنگراد

لا علاقة للرواية في البدء بالغطاء اللغوي، يجب القيام «ببناء عالم» (1) أولاً وبعدها ستأتي الكلمات طيِّعة من تلقاء نفسها لتكسو ما بُني في شكل نماذج وخطاطات وأحكام وانفعالات ومسبقات ثقافية هي ما يشكل المضمون العام للرواية. ذلك أن امتلاك الأشياء في حقيقة العالم سابق على وجودها في الافتراض المفهومي. وعكس ذلك ما يحدث في الشعر حيث يُنظر إلى الكلمات باعتبارها أساس كل قول شعري، فهي وحدها السبيل إلى استحضار الأشياء في ذاكرة لا تهتم كثيرا بالمضامين، وإنما تلتقط جوهر العالم في الإيقاع والتشكيل اللفظي. فنحن نكتب شعرا بالكلمات لا بالأفكار، كما يقول بول فاليري.

وأن تكون الرواية «بناءً لعالم» في المقام الأول، معناه أنها بحث عن «صيغ» فنية تقود إلى اقتطاع جزئية زمنية كلية وتضمينها أحداثا تخلق قصة، أي صياغة حدود عالم معقول يتمتع بوحدة وانسجام لا يُنكره القارئ الفعلي، ويقبله المحتمل التأويلي وتجيزه الموسوعة الثقافية بكل واجهاتها في الوقت ذاته. وهو أمر تُفسره طبيعة «العوالم الممكنة» ذاتها، مادة الرواية وأساس وجودها، فهذه العوالم ليست مختلفة عن عالمنا، وليست انزياحا مطلقا عن عالم واقعي لا راد لقضاء الأشياء فيه، إنها وجه خفي منه، نما وتشعب في تفاصيله، لذلك لا يمكن أن توجد إلا باستحضار ممكناته في الأشياء والكائنات والعلاقات والمظاهر.

بعبارة أخرى، إنها تُبنى وفق قوانين الحياة ذاتها، ولكنها لا يمكن أن توجد إلا على «هوامشها»، ما يمكن أن ينبعث من لاوعي قد يبدو فرديا في الظاهر من النص، ولكنه جماعي في الحقيقة السردية. يتعلق الأمر بامتلاك لما يشكل عالما مشتركا، واستثارة ما تسرب إلى وجدان الناس في شكل أحلام أو آلام وتصريفها في سلوكات فردية مخصوصة. لذلك يُنظر عادة إلى عناصر التخييل السردي باعتبارها «تشويشا» على «واقع» ألفته العين واعتادت على تفاصيله. ولن يكون أساس الإبداع سوى هذا التشويش بالذات، فالفن الذي يكتفي بوصف المعتاد من المعيش اليومي لا يمكن أن يسهم في إعادة خلقه. وهي صيغة أخرى للقول إن «العوالم التخييلية هي طفيليات داخل العالم الواقعي، إنها تتجاهل مجموعة من الأشياء نعرفها عن هذا العالم، لكي تُمكننا من الانغماس في عالم محدود ومغلق شبيه بعالمنا، عدا أنه أفقر منه» (2).

وتلك هي الغاية من كل سرد، وذاك موقعه في التجربة الإنسانية. إنه ليس ممارسة طارئة في الوجود، وليس صيغة فنية عرضية، بل هو طريقة في تشخيص الزمن وتصريفه في المنجز اليومي بكل تفاصيله. إنه وثيق الصلة بوجود الإنسان داخل الزمن، أو هو شاهد على وجوده في المعنى، أي ما يجسد سيرورة تأنسنه ويكشف عن بعض من أسرارها. فنحن لا نروي قصصا من أجل محاكاة حياة تدور أحداثها داخل زمنية معتادة فحسب، بل نفعل ذلك أيضا من أجل إعادة صياغة ما نحياه في غفلة منا وفق منطق تخييلي تنزاح من خلاله الوقائع عن خطية وحيدة المصدر والاتجاه والغاية. وهو ما يعني أن الحكي، في كل أشكاله، هو في المقام الأول احتفاء بالزمن، إنه «حارسه ومن خلاله يصبح قابلا للإدارك»، كما أكد ذلك ريكور مرارا.

فن للتشخيص

تلك هي طبيعة التمثيل السردي وذاك هو جوهره، إنه في المقام الأول فن «للتشخيص»، أي عودة بالذات والوعي فيها إلى «الحسي» والإمساك بطاقاته غُفلا، كما يمكن أن يَصْدُر عن نفس لا تستكين إلا في أحضان استيهامات تُخلصها من قيْد المكرور. إنها طريقة في استعادة ما اختفي في سديمية العالم من خلال مواجهة الحسي بالحسي وحده. ولن تكون حالات التمثيل السردي سوى جزء من حسية تميل عادة إلى التقاط الوجود في وقائعه لا في مفاهيمه. وضمن هذه الحالات مجتمعة ليس هناك أفضل من الحكي سبيلا للعودة بالمفهومي إلى أصله الأول، أداة لبناء المحتمل من الحياة، والمحتمل هو ما يمكن أن يقع، لا ما وقع فعلا (السرد أداة للإقناع، وآلية من آليات الحجاج، ولكنه نمط في التضليل أيضا، فنحن داخله نحكم ونُدين ونُحبذ ونُنفر في غفلة من السامع أو القارئ). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا