• السبت 26 جمادى الآخرة 1438هـ - 25 مارس 2017م

«أربعون عاماً في انتظار إيزابيل» لسعيد خطيبي

روايةُ المسكوت عنهم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 فبراير 2017

عبدالدائم السلامي

ليست الحكاية لفظةً تُقال ويُصيبُها مَغْصُ الإعرابِ، وإنما هي الفضاء الذي يتخلّق فيه العالَمُ، هي مادة العالَم وشكلُه في آنٍ، بل هي طاقةٌ دائمة لبعث الحياة الحُرّة على الأرض، إنها نقيضُ العدم والانمحاء، الحكاية هي وَشْمُ الإنسان في جسد الزمن فلا يفنى كباقي آثاره. ولعلّ في هذا ما يُبرِّرُ شَغَفَ الإنسان بالحكاية: يهيمُ بها ويكتبها موسيقى أو لونًا أو حركةً أو سرداً.

فضّلت أن أجعل الحديث عن الحكاية مدخلي لعرض رواية «أربعون عاماً في انتظار إيزابيل» (ضفاف والاختلاف 2016) للكاتب الجزائري سعيد خطيبي بسبب خصوصية تعاملها مع مَحْكيِّها. ذلك أنها غامرت بتفتيت حكايتِها في زمن يبذل فيه الروائيّون كلّ جهودهم من أجل توحيد حكاياتهم بالتزام منوالِ سَرْدِها الشائعِ.

ولئن كان من عادة مثل هذه المغامرة أن تكون أمراً محفوفاً بمنزلقات فنية ومضمونية عديدة فإنها تجلّت في رواية سعيد خطيبي مغامرةً واعيًةً برهاناتها السردية خاصة من حيثُ حرصُها على حسن تدبير الحكاية حرصًا أراه قد حماها من وَهَن تشظّيها، بل وجعل من تشظّيها عنوان وحدتِها، ومن اختلاف مشاهدها سببًا لتكوُّنها في شكل عِقْدِ حكايات تكفّل بِنَظْمه في خيطٍ سرديّ متينٍ البطلُ جوزيف رينشار (الحاج جوزيف)، ذاك الفرنسي الذي تتلخّص قصّتُه في كونه قد شارك في الحرب العالمية الثانية، ثم انتقل إلى الجزائر وانضمّ إلى مجاهدي حرب التحرير الوطني، ليستقرّ في مدينة «بوسعادة» بصحبة رفيقه الجندي الجزائري سليمان بلهوم الذي قطع صلته بعائلته ووصفته الرواية بأنّه «صمت مدوٍ، يسكنه شخصان، ولم يفلح في التّفريق بينهما»، ويُقضّي جوزيف أربعين سنة في هذه المدينة يمارس خلالها فنّ الرّسم ويعيش بشخصيْن في واحدٍ أيضا، فهو يُعلن فيها إسلامَه عبر الحجّ إلى بيت الله، والصلاة مع الناس بالمساجد «صلوات سريعة وقلقة» ليُخفي مع ذلك روحَه المسيحيةَ فإذا هو لا يني يزور «بيت النصارى» في الخفاء، يزوره «بحُبٍّ كأرملة مخلصة لزوجها» ويشرب أحيانا ما تصل إليه يدُه من نبيذ محليّ أو فرنسي.

الباحث عن إيزابيل

على مدار هذه السنوات يظلّ جوزيف ساعيا إلى إعادة كتابة تاريخ الرحّالة السويسرية إيزابيل إيبرهارت التي أقامت في الجزائر زمنًا وغرقت في وادي «العين الصفراء» بالجنوب الجزائري منذ أربعين عاما مُخلّفةً وراءها مخطوطا كان اقتناه من أحد موظّفي بلدية «بوسعادة»، وأعاد ترتيب أوراقه بحثا فيها عن المخفيّ من سيرة هذه الرحّالة الشابة، التي عركت الحياة بحُلْوها ومُرّها وتمرّدت على واقعها بجميع قِيَمِه. حيث تكفّلَ بتحويل ذاك المخطوط إلى مجموعة لوحات فنية وكتابة حكايته الشخصية التي هي متنَ رواية سعيد خطيبي. فعل ذلك بافتتان بشخصية إيزابيل -المزدوجة الحال أيضا- وقد عبّر عنه بقوله: «كانت بنتًا مسترجلة»، و«إيزابيل كانت صورة مؤنثة منّي، نصرانية متأسلمة، قلقة وملعونة، لا هي أوروبية ولا هي عربية»، بل إنه ظلّ يزورها بمقبرة «سيدي بوجمعة» لحماية قبرها من عبث اللصوص والسكارى أو لقراءة الفاتحة عليه.

الهرب من الحرب ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف