• الاثنين 29 ربيع الأول 1439هـ - 18 ديسمبر 2017م

«هناك جنس بشري واحد وثقافات متعددة»

تودوروف.. والنزعة الإنسانية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 فبراير 2017

هاشم صالح

المفكر الذي فارقنا بالأمس القريب شخص محترم. إنه يستحق التقدير ليس فقط لأنه كان ناقداً أدبياً كبيراً، ومفكراً عميقاً، وإنما لأنه كان مفعماً بالطيبة والنزعة الإنسانية. وهذا شيء أغلى من الذهب. إنه أندر مما نتصور. فهناك مفكرون ومثقفون وأكاديميون كبار مثله وربما أكبر منه، ولكنهم ليسوا جميعا إنسانيين أو أخلاقيين أو طيبين. لقد علمنا جان جاك روسو منذ أكثر من قرنين أنه لا توجد علاقة أتوماتيكية بين تزايد المعرفة وتزايد الأخلاق، وذلك على عكس ما نظن، فقد تكون أستاذاً عالمياً شهيراً وأكاديمياً خطيراً وتكون حقيراً على المستوى الشخصي. وقال لنا بأن كل علم الأرض لا يساوي قشرة بصلة أمام الطيبة العميقة والمعدن الشخصي. وقبله علمنا رابليه «أن العلم بلا ضمير ما هو إلا خراب للروح». ومعلوم أن جان جاك روسو هو إحدى المرجعيات الكبرى لتزفيتان تودوروف. فقد كرس له كتابات عديدة ومئات الصفحات. فمن هو تودوروف يا ترى؟ هذا ما سنحاول أن نلقي عليه بعض الضوء هنا.

كنت أتساءل بيني وبين نفسي: لماذا لا أسمع له حساً ولا حسيساً منذ سنتين أو ثلاث سنوات.. أين اختفى؟ ماذا يفعل؟ ما سر هذا الصمت الطويل؟ فقد جرت العادة أن يتحفنا بكتاب جديد وأحياناً كتابين كل عام تقريباً. كما كان يتدخل في القضايا السياسية العامة التي تهز العالم وما أكثرها هذه الأيام. وكان يدلي أيضاً بالمقابلات للصحفيين، إلخ. ولكنه سكت وحيرني سكوته. ثم قرأت مصادفة في إحدى الجرائد الفرنسية أن زوجته الروائية الكندية المعروفة نانسي هوستون تركته بعد عشرة طويلة دامت ثلاثين سنة، وذهبت مع رجل آخر إلى سويسرا. وهو فنان رسام أصغر من تودوروف بعشرين سنة. المهم أن المدام تجدد شبابها. وعاشت معه ولا تزال قصة حب كبيرة. فهل هدته هذه القصة يا ترى؟ هل أثرت عليه؟ لا أستبعد ذلك على الإطلاق. ضعوا أنفسكم مكانه. أقول ذلك وبخاصة أنها أم ولديه، ابنه وابنته. وربما كانت السبب في المرض العصبي الذي أصابه وأودى به. وذلك لأنه كان يحبها على ما يبدو ومتعلقاً بها جداً. هذا ما نلمحه من كلامه عنها في أحد كتبه الذي يشبه المذكرات.

العقدة الحقيقية

والآن ماذا يمكن أن نقول عن تودوروف؟ لقد قابلته شخصياً مرة واحدة أو مرتين: الأولى في مكتبه بالجامعة، والثانية في بيته. وكان ذلك منذ سنوات طويلة أخشى أن أعدها.. كنت أنا آنذاك مشغولًا جداً بمسائل النقد الأدبي، بل وكرست أطروحة الدكتوراه له تحت عنوان: «اتجاهات النقد الأدبي الحديث بين عامي 1950 – 1975». وهي أطروحة لم تترجم إلى العربية ولم تنشر قط. ولهذا السبب قابلته. ولكن ما كنت أعرف أنه سيحصل لي ما حصل له تقريباً، فأنا أيضاً تخليت عن النقد الأدبي بعد ذلك وما عاد يشبع همومي العميقة. ولهذا السبب انخرطت في الدراسات الإسلامية والفكرية والفلسفية، وأدرت ظهري كلياً للنقد الأدبي. لماذا تخلى تودوروف عن النقد الأدبي الذي برع فيه وشغله طيلة سنوات عديدة إلى درجة أنه كان أحد أقطاب المدرسة البنيوية الفرنسية؟ لسبب بسيط: هو أنه جاء إلى فرنسا من بلد شيوعي توتاليتاري هو بلغاريا. وبالتالي فعقدته الحقيقية كانت الشيوعية، مثلما أن عقدتي الحقيقية أنا هي الأصولية. ولكي يتخلص منها ويفككها راح ينخرط في الدراسات الفلسفية العميقة، ولكنه شخصياً ما كان يحب أن يُدعى بالفيلسوف وإنما بمؤرخ الأفكار فقط. وكان بارعاً جداً في التأريخ للأفكار. وأعترف بأني استفدت منه كثيراً وعاشرت كتبه طويلًا وبمتعة حقيقية. في العام الماضي فقط قرأت له كتابين متلاحقين. فقد كان له صوت دافئ وإنساني حنون تشعر به حتى ولو لم تتعرف عليه شخصياً. وأنا معرفتي به كانت سريعة ومحدودة جداً. وبالتالي فالمعرفة الحقيقية هي معرفة الكتب. المؤلف موجود فيما كتبه. هذا ما سيبقى منه على الدهر اللهم إذا كان كاتباً حقيقياً.

كان تودوروف معجباً جداً بالأنظمة الليبرالية الديمقراطية على الطريقة الفرنسية أو الأوروبية الغربية عموماً، ويتحسر لأن أوروبا الشرقية محرومة منها. ولذلك كانت فرحته عظيمة عندما استطاع الهرب إلى فرنسا عام 1963 وهو في الرابعة والعشرين من عمره. وكانت أعظم عندما سقط جدار برلين والاتحاد السوفيتي والنظام الشيوعي برمته. ويمكن القول بأنه حقق نجاحاً منقطع النظير بعد تركه بلغاريا. فقد استطاع أن ينافس المثقفين الفرنسيين في عقر دارهم، بل ويتفوق على الكثيرين منهم بفضل ذكائه العبقري ونزعته الإنسانية العميقة. وهذا الأمر ليس بالشيء اليسير. بل إنه من أصعب الصعب. فأنت «غريب الوجه واليد واللسان» كما يقول المتنبي. وينبغي أن تغير لغتك لكي تنجح في بلاد الفرنسيين. ومعلوم أن تغيير اللغة لا يقل خطورة أحياناً عن تغيير الدين. إنه يشبه الإعدام للغة الأم، ولكن بما أن اللغة البلغارية ليست عالمية الانتشار كالعربية مثلا فبإمكانك التخلي عنها ولو على مضض لكي تنجح في لغة عالمية كالفرنسية. على أي حال فهو أحد اثنين من المثقفين البلغاريين الذين هجموا على باريس ونجحوا فيها بشكل صارخ: هو وجوليا كريستيفا. لا أعرف شخصاً ثالثاً. هذا ويمكن اختصار تودوروف بمرحلتين أساسيتين: الأولى هي المرحلة البنيوية التي شغل فيها بالنقد الأدبي بشكل رئيسي. والثانية هي المرحلة الفكرية أو الفلسفية التي تلتها وغطت عليها. يلاحظ القارئ على مدار المقال أني أخلط نفسي به أو أحشر حالي حيث لا مكان لي. والسبب هو أنه كان أحد الرموز التي التقينا بها نحن الطلبة العرب الباحثين عن شهادة الدكتوراه في النقد الأدبي بباريس إبان السبعينات والثمانينات. وبالتالي فأنا لا أقحم نفسي على الموضوع تعسفاً، وإنما لتوضيح الصورة فقط.

من الشكلانية إلى العمق ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا