• الاثنين 11 شوال 1439هـ - 25 يونيو 2018م

«تريزا ماي» تواجه مشكلة تتمثل في كيفية تنفيذ «الخروج»، لأن الانفصال الصريح عن الاتحاد الأوروبي سيعني آلاماً اقتصادية مبرحة

«الخروج» البريطاني.. تحديات اقتصادية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 فبراير 2018

نيد تيمكو*

حين بدأت العمل كمراسل أجنبي في نهاية سبعينيات القرن الماضي لم يخطر ببالي قط أن أكثر العلوم التي قد أحتاج إلى استعادتها بعد ذلك بأربعة عقود لن يكون علم الاقتصاد أو السياسة، بل علم الزلازل. وأكثر من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية تتحرك طبقات الأرض في العالم. ومع تعرض النظام المستقر لسلسلة من الاضطرابات وحدوث توابع زلزالية في كل ركن تقريباً من الكرة الأرضية، أصبحت الأرض تتحرك تحت أقدامنا. وبطريقة أو بأخرى، يمكن اقتفاء أثر كل الهزات تقريباً إلى هزة من نوع مختلف حالفني الحظ كي أراقبها في مساء بارد من شهر نوفمبر قبل عقدين من الزمن، فقد كنت مراسلاً لكريستيان ساينس مونيتور في الاتحاد السوفييتي في بداية الثمانينيات، وكان من المؤثر أن يراقب المرء مؤتمراً صحفياً مربكاً لمتحدث من ألمانيا الشرقية بينما أسقطت قوة الشعب جدار برلين.

ورغم أن سقوط جدار برلين وإصلاحات الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل جورباتشوف كان من الواضح أنه سيكون لها تأثيرات جيوسياسية كبيرة، فقد هيمن شعور في ذاك الوقت يتمثل في التفاؤل بأن العالم يمضي في طريق سيجعله أكثر حرية ورخاء ووحدة. وما زال من الممكن حدوث كل هذا. لكن مجموعة من العوامل، ليس أقلها الإيقاع المثير للارتباك للتغير التكنولوجي، وظهور اقتصاد العولمة بما يحمله هذا من فوائد هائلة واضطرابات مؤلمة، تقودنا فيما يبدو إلى اتجاه مختلف.

إن نظام العلاقات الدولية لما بعد الحرب العالمية الثانية والمؤسسات التي دعمته يتصدع الآن. وتتصدع أيضاً المؤسسات السياسية المحلية في طائفة من الدول. وهذا الأسبوع، على سبيل المثال، سيمثل مرحلة مهمة في تقرير مستقبل بريطانيا أقرب حلفاء أميركا الأوروبيين في أعقاب زلزالها السياسي الخاص بها. وتمتد جذور الخروج البريطاني (بريكسيت) أو مسعى بريطانيا لإنهاء عضويتها التي استمرت عقوداً في الاتحاد الأوروبي إلى قرار اتخذه ديفيد كاميرون رئيس الوزراء آنذاك لعقد استفتاء على مستوى البلاد في يونيو عام 2016. وكان كاميرون الأخير في صف طويل من زعماء حزب «المحافظين» البريطاني ممن واجهوا ضغوطاً برلمانية لا تتوقف من الأقلية العنيدة والمعادية للاتحاد الأوروبي. وكان يحدو كاميرون الأمل في أن يخفف حدة الاحتقان بهذا الاستفتاء. وتوقع كاميرون الفوز ليس نتيجة الثقة في قدراته كسياسي وخطيب لكن من خلال الحجة المنطقية، فقد كان يعتقد أنه مهما يكن من جوانب عاطفية لدى أنصار «الخروج»- وهي تتمحور في الأساس حول جعل بريطانيا عظيمة من جديد- لكنه لم يتخيل أن الأغلبية قد ترغب في قطع العلاقات مع سوق أوروبي موحد يضم نصف مليار شخص تعتمد بريطانيا عليه في معظم تجارتها. وكان كاميرون مخطئاً.

لكن التعقيد المضني للتصويت لصالح الانفصال يتضح مع مرور الأيام، فقد كان الاستفتاء خياراً بسيطاً بين «نعم» و«لا» وجعل الناخبين يفترضون أن التفاصيل ستحسم نفسها بنفسها. والمشكلة التي تواجه «تريزا ماي»، خليفة كاميرون، تمثلت في كيفية تنفيذ الخروج. ما زال الواقع هو أن الانفصال الصريح عن الاتحاد الأوروبي سيعني آلاماً اقتصادية مبرحة. وفي ظل موعد نهائي في خريف هذا العام للتوصل إلى اتفاق انتقالي قبيل الخروج البريطاني النهائي عام 2021، لا يفضل رجال الأعمال الكبار فقط، بل أيضاً كثير من أعضاء حزب «المحافظين» الذي تنتمي إليه «ماي» في البرلمان «خروجاً ناعماً» يُقلص الهجرة من الاتحاد الأوروبي لكن يُبقي على اتفاقات تجارية مع التكتل تكون مفيدة بأكبر قدر ممكن.

وهذا صعب لأن أي اتفاق يحتاج إلى تصديق من الدول السبع عشرة الأعضاء المتبقين في التكتل. وداخلياً فإن النهج «الناعم» سيمثل خيانة لنتيجة الاستفتاء، وفي وقت يعلن فيه الرئيس ترامب متفاخراً «أميركا أولاً» وتعمل قوى منافسة مثل الصين وروسيا بجرأة أكبر لتطرح مصالحها القومية فيما يتجاوز حدودها، فإن طروحات «ماي» تقدم لنا درساً جاء في موعده، وهو أنه بصرف النظر عن مدى الإحباط، الذي قد تُصاب به الدول من التعامل مع العالم الأوسع، فإن اختيار الخروج، مهما يكن من إغواء صورته، ينطوي في حد ذاته، على تحديات.

*صحفي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا