• السبت 29 صفر 1439هـ - 18 نوفمبر 2017م

العالم العربي كله ليست فيه معارضة وإنما فيه جماعات رفض، بل هو رفض للرفض وللكراهية مثل الفن للفن، ذلك الشعار الذي يسوق الإسفاف والإباحية.. والدليل على ذلك، هو أننا نرفض دائماً أشخاصاً ولا نعارض سياسات.

أخذ ورد.. جزر ومد!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 15 فبراير 2017

محمد أبوكريشة*

كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. معنى ذلك أن العقيدة هي القرآن والسنة وكفى، وما عدا ذلك قابل للنقاش والحوار والقبول أو حتى الرفض والرد، حتى ما يسمى التفاسير للقرآن الكريم يمكن أن يقع فيها الخطأ والصواب. وأقوال الصحابة، رضوان الله عليهم، وأقوال التابعين وتابعي التابعين هي مجرد آراء لا تلزم سامعها أو قارئها – وخصوصاً آراءهم في الحياة والرجال والنساء وأمور الدنيا – كلها نطالعها ونتعامل معها على أنها آراء وليست معتقدات ملزمة.. وكثيراً ما يستشهد مقدمو ما يسمى البرامج الدينية وهؤلاء الدعاة الجدد بآراء وحكايات عن التابعين يسوقونها كحجج لإقناع المشاهد والسامع باتجاه معين في الحياة.. والمشكلة أنها أحاديث وحكايات مكررة ومعادة ومملة أيضاً – وترى مقدم البرنامج والمشاهد والسامع مفتونين بها لمجرد أن المبنى جميل بصرف النظر عن المعنى والمحتوى، وتلك معضلة أخرى وهي معضلة المبنى الجميل والمعنى السقيم أحياناً، وهذه المباني الجميلة ليست إلا مكسبات لون وطعم يستخدمها مقدمو البرامج الدينية لتقديم وجباتهم إلى الناس، وقد تكون وجبات وأطعمة فاسدة.

ومكسبات الطعم واللون والرائحة كثيرة جداً فيما يسمى البرامج الدينية بهدف تقديم أطعمة تبدو في معظم الأحيان غير صالحة للاستهلاك العقلي والقلبي.. ومنها المؤثرات الصوتية والشكلية والملامحية لمقدم البرنامج واللعب بنبرات الصوت واتصالات النساء وكلماتهن للداعية (أنا أحبك) - ثم يضعن (في الله) لتمرير كلمة الحب الدارجة والمعروف معناها للدنيا جميعاً (أنا أحبك في الله) ويرد مقدم البرنامج (أحبك الله الذي أحببتني فيه) – إنه الغزل السافر المغلف بغلاف ديني لإعطاء مكسبات اللون والطعم والرائحة للحب المعروف لكي يبدو مشروعاً ومقبولاً وشرعياً أيضاً.

والاستشهاد بآراء وحكايات وقصص وروايات وأخبار التابعين أو حتى الصحابة جزء مهم من مكسبات اللون والطعم والرائحة لتمرير أفكار أصحاب ما يسمى البرامج الدينية التي تبدو في الأغلب الأعم متهافتة وساذجة.. والحق أنني أكره الاستشهاد في الحوارات والنقاشات. فهؤلاء الذين يستشهدون بأقوال وآراء وحكايات الآخرين قوم مفلسون فكرياً ويحاولون حصارك وإسكاتك بتفصيل أقوال وآراء وحكايات الآخرين على مقاس آرائهم لإعطائها قدسية ليست لها – وهؤلاء يفرضون بالاستشهاد آراءهم ولا يعرضونها – والفكرة القوية والرأي السديد ينبغي أن يقنعاني بصوابهما من دون الحاجة إلى استدعاء آراء وأفكار وأحاديث الآخرين لإعطائها قوة وقدسية ومهابة والإيحاء للسامع أو المشاهد بأن الاعتراض على الرأي أو الفكرة يعني الاعتراض على التابعي أو الصحابي - أو حتى على النص القرآني أو الحديث الشريف - وأسوأ ما ابتلينا به نحن العرب هو تفصيل النصوص على مقاس آرائنا وأفكارنا وقناعتنا وليس تفصيل آرائنا وقناعتنا على مقاس النصوص – وهذه مأساة عندما نجعل النصوص المقدسة تابعة لا متبوعة ومقودة لا قائدة – وهذا هو بالضبط اتخاذ الهوى إلهاً – أن يتبع النص هواي ولا يتبع هواي النص... وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به»، أما نحن فجعلنا ما جاء به الرسول وما ورد في القرآن، كل هذا تابعاً لهوانا، وهكذا ظهر واستشرى الإرهاب والقتل والدمار والحرابة، لأن المجرمين والإرهابيين والقتلة جعلوا الدين عباءة لهواهم وهوايتهم، بهدف إعطاء القتل والإرهاب والدمار والخراب شرعية دينية وشراعية شعبية أيضاً، لذلك يقتل القاتل باسم الله ويفسد المفسد باسم الرحمن، وينشر الإرهابيون والمجرمون الدمار تحت راية وشعار وهتاف (الله أكبر).

والعرب قوم حكاؤون في الحوارات وتأخذهم الحكايات بعيداً عن الأفكار، حتى إننا ننسى بداية الموضوع، وماذا كنا نقول وتسمع من يحاورك حول قضية ما يقول: (أذكر أن زوج أختي أو شقيقة زوجة أخي فعلاً كذا وكذا وذهبا في زيارة فوجدا كذا – ثم يقول: أرأيت صدق رأيي؟ فأقول: رأيت وليتني ما رأيت).

وكل الجماعات والتنظيمات والمجموعات السياسية أو الدينية في أمة العرب قائمة على المناكفة والكراهية والعناد. وقائمة على احتكار الحقيقة أو احتكار أكاذيب تراها حقائق (رأيُنا صواب بالقوة ورأي الآخرين خطأ بالعنف).. وهَمُّ وهدف من يحاورك هو إسكاتك سواء بالسب والقذف والتطاول أو حتى بالقتل. الحقيقة كلها والحق كله عندي والخطأ والباطل عندك والأعلى صوتاً، والأكثر سباً يربح.. والمعارض شجاع وجريء وإن كذب وتجاوز. والمؤيد منافق ومنبطح وإن صدق، والموضوعية في أمة العرب كما أقول دائماً (ليست بياعة) لكن التطرف (بياع). بمعنى أن الموضوعية والتعقل لا يجلبان الإعلانات والرواج، ولا يرفعان نسبة المشاهدة للفضائيات أو نسبة (الشير) و(اللايك) على المواقع الإلكترونية، لكن السب والقذف والرفض والصوت العالي واستخدام كل مفردات قواميس الإباحية والشتم تؤدي إلى الرواج والذيوع ورفع نسب المشاهدة و(الشير) و(اللايك) وجلب الإعلانات.. والعرب قوم متطرفون في الرفض والمعارضة ومتطرفون في القبول والتأييد.. لكن المعارض أو الرافض دائماً حسن السمعة ومثير للإعجاب والمؤيد أو الموافق منافق وسيئ السمعة، والعرب لا يعارضون ولكنهم يرفضون، والمعارضة مفاعلة في اللغة العربية، والمفاعلة هي الفعل المتبادل، والمعارضة هي أن ترفض رأياً وتطرح البديل، أن ترصد المشكلة وتطرح الحل.. لكن الرفض أن ترفض الرأي وتسفهه ولا تقدم بديلاً، وتقول نفس المقولة الشهيرة التي يرددها المصريون (هو كدا.. إذا كان عاجبك)، والرافض ليست عنده إجابة لسؤال (لماذا)، لكن المعارض لديه دائماً (جواب)، ومعنى ذلك أن العالم العربي كله ليست فيه معارضة وإنما فيه جماعات رفض، بل هو رفض للرفض وللكراهية مثل الفن للفن، ذلك الشعار الذي يسوق الإسفاف والإباحية.. والدليل على أن ما في عالمنا العربي رفض، هو أننا نرفض دائماً أشخاصاً ولا نعارض سياسات، ونؤمن في رفضنا مبدأ (الكل أو لا شيء).. بمعنى أننا نرفض كل شيء وكل شخص لمجرد أنه في السلطة مثلاً أو لمجرد أنه رئيس عمل أو مسؤول... والحكاية طويلة بين الأخذ والرد والوخز والصد والجزر والمد!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا