• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

عملاه النحتيان عن خليل حاوي والشاعر المجهول رحلة داخل الشكل

ضياء العزاوي المتغير الثابت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 أكتوبر 2015

ظلت مناخات عوالم الشعر الروحية، حاضرة بقوة في رسوم ضياء لسنوات عدة، كمرجعيات ومصادر استلهامية لمعادلات تشكيلية تصويرية ذات وظيفة جمالية تتناغم وأبعاد التصويرية والإيحائية والموسيقية في الشعر (كرسم قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة) على حد وصف سيسيل داي لويس Cecil Day Lewis، كما تجلت في الرسوم الهجينة بين التشخيصية والتجريدية، لأشعار المتنبي، محمود درويش، مظفر النواب، محمد بنيس وآخرين. إلا أن إنتاج أعمال نحتية، يتزاوج فيها اللون بالكتلة بتوظيفات مكيفة لصالح العلاقات التشكيلية في العمل النحتي تستلهم من عوالم الشعراء الروحية الفلسفية جمالياتها وتعبيريتها، ظل ممارسة فنية مؤجلة إلى حين، ما لبث أن شرع بها لاحقاً، عبر عمليه النحتيين «إجلال لخليل حاوي» و»نصب لشاعر مجهول» بخامة الخشب المطلي بالألوان، اللذين قدمهما في معرضه الأخير في غاليري ميم.

تحولات واختيارات

منذ أن بدأت أعمال ضياء تعكس متغايرات وتحولات فنية كبيرة، في أساليبها وتقنياتها، والتي أصبحت فيها ألوان الأكريلك خياراً مفضلاً على حساب الزيتية، أمكن رصد تلك التحولات في إطار تزامنيتها مع انتقاله للإقامة في لندن في نهاية سبعينات القرن الماضي، كانطلاقة جديدة سيتبعها الكثير، حيث أمست التكوينات التجريدية المألوفة في لوحاته أكثر حيوية في حركيتها الانفعالية عبر خطوط انسيابية وأشكال هندسية مرنة غزتها مساحات لونية وافرة وغنية بصفائها وزهوها أقرب لموسيقية لونية، لا تعزى فقط لتطور الخبرات الفنية والممارسة الفنية المتواصلة، بل لاتساع وتنوع تجاربه في بيئة منفتحة ثقافياً وفنياً. وقد عبّر ضياء عن أبعادها مراراً بندمه عن تأخره في مغادرة العراق بعد أن استقر في لندن. إلا أن استبدال الجغرافيا العراقية بالجغرافيا الأوروبية، كواقع بيئي جديد للعيش والعمل، وما تمخض عنها من نتائج مختلفة ومتقاطعة في معطياتها في أحد أوجهها الغياب الفعلي لمؤثرات الحياة العراقية، بما تنطوي عليه من أفكار وثقافة ومناخات فنية وأدبية، وبيئة وحياة اجتماعية ومناخات عاطفية فاعلة في المزاج الذوقي والفني.

بالإضافة إلى الوقع النفسي والعاطفي المترتب عن التشويه والتدمير لمعطيات الجغرافيا العراقية الثرية، بسبب الفواجع التي داهمت العراق منذ ثلاث عقود ونصف وما زالت من جهة، وتحرر معطيات الطاقة الخيالية من كوابحها القيِمَية في سطح اللوحة والانفتاح على الثقافات والأفكار والنتاجات الفنية العالمية من جهة أخرى، كان لابد أن تسفر عن معطيات ومؤثرات تأخذ سبيلها للمنجز الفني، أهمها ارتجاعية طبوغرافيا من ذاكرة ما تحت الشعور وما تمخض عنها من أعمال مهمة، لعل أبرزها مجموعة «أرض السواد» و»جلجامش»، وبلوغ مستوى مهني عالٍ ومتقدم، ينحو لتشابهات صدفية في طبيعة (المخيلة التشكيلية) والطبيعة الحركية للشكل التجريدي مع الرسامين الفرنسي (Albert Gleizes 1881- 1953)، والأميركي (Stuart Devis1892 – 1962-)، في سياق مطاولة فنية وتمحيصية للتجارب التشكيلية التجريدية العالمية، التي استوفت طاقات تمثلها الجمالي للامرئي من طرق الزخرفة الإسلامية وأسلوبيتها الهندسية واستعارة المفاهيم والأفكار الصوفية.

أما على صعيد النحت، فسنجد أن نصبيه الخشبيين المطليين بالألوان البتروكيمياوية «إجلال لخليل حاوي» و»نصب لشاعر مجهول»، يعكسان مقدار اختمار أثر الفنون النحتية الرافيدينية القديمة في مخيلته ولاشعوره، لاسيما المسلات العراقية السومرية، كأحد أهم الانزياحات المهمة في بنى النحت الرافديني، على الرغم من أنه سيتعذر تصنيف هذين النصبين أجناسياً كمنحوتات، وقد ننسبها مجازاً للنحت، حيث يقتصر استلهامها من (المسلات) وظيفية الشكل الكتلوي الأسطواني والمربع العمودي لبث البلاغات الفكرية وتجسيد المآثر، وتختلف عنها باستقلاليتها في أسلوب التعبير، وخاصية التلقي الجمالي باستبدال تضاريس التكوينات النحتية الريليفية التي تْوشّي المسلة، باستخدام شاعري للمساحات اللونية المتجاورة بتناغم وتضاد إيقاعي لإقصاء الطابع السكوني، وخلق مقومات للحركة تقتضيها ضرورة التعويض عن العفاف الحركي للبناء الخشبي، يستمد بها اللون سيادته التعبيرية كسردية جمالية ورمزية، دلالاتها منسجمة مع ما يمكن أن ندعوه هندسة الشاعر الروحية، وتناغم العلاقات بين ما هو فكرة تشكيلية وبعد فلسفي.

وحتى تجارب ضياء في هذه الممارسة الفنية بدءاً منذ أكثر من عقد من الزمن، لم تكن (مجهزة فنياً) لتجنيسها كمنحوتات، كما في مجسم (coloured obelisk) على سبيل المثال، والمنفذ بخامة الراتينج البوليسترية المطلي بألوان الكريلك في عام 2007، أو في أعمال أخرى أكثر قرباً للنحت كما في ثلاثية (Toy Like) بخامة الراتينج البوليسترية والمنفذة في عام 2014 التي تفصح العلاقات التشكيلية فيها عن تكافلية بين اللون والكتلة، تصبح فيها الكتل الهندسية الدائرية والأسطوانية والمربعة والمستطيلة بديل ممكن عن سطح اللوحة لانثيال مساحات الألوان ودفقها الإيقاعي، وبالوقت ذاته تنسجم فيه توظيفات الألوان مع أسس وشروط تصميم الشكل النحتي ومقتضيات علاقته بالفضاء المحيط لصالح دلالات بنية التكوين والشكل النحتي الرمزية ومقوماته الجمالية، في إطار أفكار ومضامين فلسفية متحررة، قد تكون جذوتها خفايا ما تحت شعور شخص الفنان بعكس ما تقتضيه استلهامات عالم الشاعر الروحي والفلسفي، الذي يفترض خيالا تشكيليا منتجا لأسلوبية يتكافأ فيها مستوى التنفيذ وأسلوب الفكرة الفنية لصالح الرمز، الإيحاء والدلالة الاستعارية، التي تتأطر بها الأبعاد الإنسانية والفلسفية لشخصية الشاعر، وهو أمر يشكل تحدياً فنياً لأي نحات متمكن لتحقيق تلك المضامين بالاعتماد فقط على مقومات الكتلة وعلاقتها بالفضاء، وتمثل الحركة عبر بنية التكوين، لاسيما في عمل نحتي مقتصد في عناصره الحركية وباذخ في شكله الهندسي وتكويناته التجريدية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف