• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

في الصّمت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 أكتوبر 2015

لا يدعونا شيوران إلى الخلود إلى الصّمت وإنما إلى محاكاته، أي إلى بلوغ نقطة التماسّ التي تُمكّن المرء من ألاّ يغرق في صمت مطبق، وألا ينساق، في الوقت ذاته، إلى ثرثرة لامتناهية.

كثير من المفكرين الذين أدركوا أن «خطر اللسان عظيم»، وأن «في الصمت سلامة وعلماً»، أحسّوا، في الوقت ذاته، أن الرّكون إلى الصمت معناه الانطفاء، و«هجر الساحة»، لأن الكلام هو الرأسمال الذي يستطيع المرء بفضله أن «يزاحم أنداده» ويفرض اسمه، وينال الشهرة والمجد. من هنا الاكتفاء بالمحاكاة، والسّعي وراء نقطة التماسّ الرهيفة التي يتوحّد عندها إتقان فن الكلام مع إتقان فن الصمت، فيغدو فيها آداب الكلام، قبل كل شيء، هو«حفظ اللسان». تحقيق هذا التوازن هو الذي يضمن للمرء عدم هجر الكلام إدراكاً منه أنه وسيلته لنيل حظوة مجالسيه، وفي الوقت ذاته إظهار قدرته على حفظ لسانه وتمكّنه من صون الأسرار والامتناع عن الكلام.

غير أن دقة الموقف واليأس من تحقيق هذا التوازن، قد يدفعان المرء إلى اختيار الحلّ الأسهل والخلود إلى الصّمت بدل الخوض في كلام قد يوقع صاحبه فيما لا تحمد عقباه. ذلك أن طريق الكلام مليء بالمخاطر، وهو يتطلب يقظة دائمة، وتنبّهاً لا يكلّ. فاللسان، كما يقول المثل الدّارج «لا عظم له». وبما أنه يحمل آثار المحسوسات، فهو عرضة للعثرات، وموضوع للتنميق والمبالغة، فضلاً عن أن زلاته تفضح مكنونات صاحبه وتكشف لا شعوره، هذا في حين أن الصّمت، بما أنه أكثر صفاء وطهارة، فهو أكثر ضماناً لسلامة العاقبة، وحسن المآل.

غير أن أصحاب هذا الموقف سرعان ما يحسّون بما يترتب عن ركونهم إلى الصّمت من نتائج سلبية. ذلك أن الصّمت الدائم هو موت مبكّر، إنه أقرب إلى الامّحاء، وهو إذا طال قد يؤدي بصاحبه إلى الإقصاء. لذا فهم لا يجدون بدّا من امتداح الكلام، بل والدّّفاع عنه إبرازاً لفضله على الصمت. من هؤلاء صاحب البيان والتبيين. فنحن نقرأ في إحدى رسائله: «إن الكلام إنما صار أفضل من الصّمت، لأن نفع الصّمت لا يكاد يعدو الصّامت، ونفع الكلام يعمّ القائل والسّامع، والغائب والشاهد، والرّاهن والغابر».

ما يهمّنا في هذا الموقف أن إعلاءه من شأن الكلام يتمّ على حساب الصّمت. فهو لا ينظر إلى الصّمت إلاّ على أنه «غياب الكلام»، إلا بدلالة الكلام. فحتى إن سلَّم بأن للصّمت فضيلة، فهي لا تستمد من ذاته، وإنّما من كونه لا يشمل رذائل الكلام. أما الصّمت في حدّ ذاته فهو في رأيه عديم المعنى، إنه عدم.

ما يغفله هذا الموقف هو ما يمكن أن ندعوه «بلاغة الصّمت». ذلك أن للصّمت بلاغة وقوة تعبير قد تضاهي، أو تفوق في بعض الأحيان، بلاغة الكلام. فغياب الكلام يترك المجال، في بعض الأحيان، لمزيد من المعنى. من هنا فعالية الصّمت وقوته، فهو قد يبشّر ويندر، لكنه قد يخيف ويبعث على الفزع، مثلما فعل لباسكال الذي «أرعبه الصّمت الأبديّ لتلك الفضاءات اللانهائية».

ليس الصّمت، والحالة هذه مجرّد سلب، مجرد غياب للكلام، إنه ليس خواء وعدما، بل إنه يتمخّض عن فعالية وينطوي على بلاغة. وهذا أمر يدركه أصحاب الموسيقى الذين ينظرون إلى مقاطع الصمت على أنّها جزء من المعزوفة الموسيقية، وليست توقّفا لتلك المعزوفة.

ها نحن نتبيّن أن صعوبة إيجاد نقطة التماسّ التي تحدّثنا عنها في البداية لا ترجع أساساً إلى صعوبة تحقيق التوازن بين الكلام والصّمت، وإنّما إلى تحديد طرفي الثنائي ذاته، والاقتصار على النّظر إليه على أنه ثنائي منفصل بحيث يحول تحقيق طرف من الطرفين دون تحقيق الآخر.

لكن، ما دمنا نسعى أن نوازن بين الطرفين بإعلاء طرف على حساب الآخر، وما دمنا نحدّد الصمت فقط على أنه انفعال و»غياب»، وليس امتلاء وفعالية، فإننا سنظل نتأرجح بين طرفين منفصلين لا تركيب بينهما، ولا نقطة تماسّ تجمعهما. أما إن حاولنا أن نفكّك الثنائي الميتافيزيقي كلام/‏ صمت، أي أن ننظر إلى كل طرف على أنه الآخر ذاته في اختلافه وإرجائه، فإننا سننظر إلى الكلام على أنه ما ينبغي أن «يحاكي الصمت» على حدّ قول شيوران. وحينئذ سنميّز بين صمت وصمت: صمت يتكلم لأنه جزء من الكلام وليس طرفه المقابل، وصمت أخرس، لأنه لا يتلبس الكلام. آنئذ لن يؤول الكلام مجرد ثرثرة، ولن يغدو الصّمت صمتا أخرس، فهو لا يكون صمتا إلا حينما يَعْلَق بالكلام وليس حينما ينبذه ويتخلى عنه ويلغيه. حينها يصبح الصّمت جسد الكلام وتربته، ويكون الكلام دائما نهاية صمت في انتظار آخر، سيغدو مثل العمل الموسيقي، فـ»يظهر بين لحظتي صمت: صمت البداية وصمت النهاية».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف