• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

رد معلوماتي وتحليلي لمقالة خزعل الماجدي «الغجر.. تجوال الكستناء والخيول»

فلسفة الانتماء إلى.. اللامكان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 أكتوبر 2015

بكل تقدير واحترام للأستاذ خزعل الماجدي حول موضوعه «الغجر تجوال الكستناء والخيول» والذي نشر في يوم الخميس الموافق 17 سبتمبر 2015 في الملحق الثقافي للاتحاد الظبياني، فقد عمل جهدا من حيث محاولة استعراض تاريخ الغجر كمجموعة إثنية أثارت اهتمام علماء الانثروبولوجيا والاثنولوجيا والسوسيولوجيا كجماعات عرقية مغلقة، غير أن حضورها اليومي والاجتماعي في ثقافة تلك البلدان كانت دوما محط اهتمام الدارسين، فقد ولدت جماعات «علم الغجريات» كعلم بات يتركز في دراسة تلك الإثية المغلقة الغريبة. ومع تطور العلوم الانسانية حتى اليوم تتكشف باستمرار أسرار تلك الطائفة المغلقة في جزء من سلوكياتها، ولكن مع الوقت بات ما هو مجهول تحت تناول الدارسين، بل وساعدت علوم جديدة في علم الجينات واللغات على تفكيك مغاليق ما تبقى من تساؤلات الباحثين عن منابت الغجر الاجتماعية، الذين انتشروا في بلدان العالم، خاصة الشرق الأوسط وأوروبا، فقد طرحت عدة أسئلة حول هويتهم الحقيقية وماهي أصولهم وكيف تطورت وتلاقحت تلك الجماعات مع البيئات المجتمعية التي عاشت بينها.

نتيجة لضيق المساحة سأبدأ بملاحظات مهمة. فقد كنت دوما وخلال أكثر من عقدين متواصلين مهتما بالغجر وأجمع مادة بحثية عنهم بهدوء. لهذا سأتوقف عند بعض النقاط التي هي مثار الخلاف، ليس بيني وبين الأخ خزعل، وإنما أيضا خلاف بين المهتمين بموضوع الغجر. فقد ظل الجدل متواصلا وبعض التشخيصات افتراضية أحيانا عن كونها وقائع دامغة، بينما تم التأكيد على قضايا كثيرة خلافية منذ انطلاقتهم الأولى من مركزهم الأصلي شمال الهند، مثل كوجرات وراجستان منذ القرن السادس الميلادي. لن أتوقف عند السرديات الأدبية للأخ خزعل وإنما عند الحقائق التاريخية الخلافية لدى الباحثين في (الغجريات) أو المتفق عليها لكي يكون قارئنا العزيز على بينة تامة.

الأصول والفروع

كتب الأخ خزعل: «وهناك اعتقاد سائد قوي هو ان الغجر في جميع أنحاء العالم ينحدرون من أصل واحد، هذا الأصل يطلقون عليه الروم» ثم يتطرق إلى عبارة بقوله: «أما الذين فروا خارج الهند باتجاه إيران ثم الشرق الأدنى ومنه إلى أوروبا فهم (الغجر) وهذا ما يفسر بشرتهم السوداء، وكأنما يوحي لنا أن الغجر والروم مجموعتان اثنيتان مختلفتان، فيما الغجر ليسوا إلا إحدى التسميات اللغوية المتعددة التي لصقت بتلك الجماعات. فكلمة غجر مشتقة من اللغة التركية (غوجر)، أما البشرة السوداء فهي سحنتهم الأصلية من عرقهم الهندي بتنوعاته الإثنية بين شمال الهند وجنوبها، بين السنهيليين والدرافيديين. ثم يضيف بعبارة أكثر إرباكا بارجاعنا دون ترتيب منطقي للكرونولوجيا التاريخية لرحلاتهم وهجرتهم بشكل مترابط بانتقاله قائلا: «سابقا اعتقد بعض المؤرخين أن الغجر وفدوا من بلاد الرافدين» الخ.. (النص)، لكن البحوث الحديثة رجحت أن الوطن الأصلي للغجر هو الهند. وعبارة الحديثة توحي أن تلك الاستنتاجات ليست إلا من عقود قليلة مضت في التاريخ الحديث، بينما الوثائق وكتب الرحالة والجغرافيين والمؤرخين ثم الباحثين كانوا قد أكدوا على حقيقة أصلهم بقرون مضت، ولكن الإضافات المتواصلة لاكتشافات الغموض حول تلك الجماعة تقدمها لنا العلوم الإنسانية الحديثة التي باتت منهجاً علمياً في الأكاديميات كعلم الانثروبولوجيا وغيره، غير ان الدراسات التاريخية كحقل مختلف إلى جانب حقول معرفية أخرى ساهمت في إجلاء طلسم الغجر بصورة كاشفة. تظل الحلقة المتفق عليها منبعهم وأصلهم الهندي، ولكن الاختلاف في عبارة الفرار التي لم تكن سليمة مؤكدا مرة أخرى بقوله: «كان أول اتجاه فروا به الى بلاد فارس وتركستان وفي بلاد فارس نشأت منهم قبيلة غجرية كبيرة هي اللور او اللرّ ولاتزال حتى يومنا هذا في ايران مقاطعة واسعة تسمى (لورستان والصحيح لارستان Larstan) يقطن فيها بعض القبائل الرحل من نمط الغجر. فيما اللوري هي تسميتهم الحقيقية كعشيرة هندية قبل أن يصلوا إيران أصلا. يدخلنا في الالتباس التاريخي وهي ليست جريرة خزعل فناقل الكفر ليس بكافر، وإنما مجتهد نقل وأعاد إنتاج الموضوع وفق المصادر التي اعتمدها دون أن يدرك أن أولئك الأشخاص والدارسين عرضة للوقوع في إشكاليات كثيرة، اذ من المفارقات الخلط بين خصائص الغجر وطبائع البدو الرحل، فلا يوجد بينهم سمة مشتركة إلا التنقل، وإن كان تنقل البدو الرحل بقطعانهم بحثا عن الماء والكلأ فيما تنقل الغجر هو جزء من بحثهم لأمكنة الأنشطة الاقتصادية ثم الاختفاء والتنقل بين أطراف المدن والبراري «بحثا عن امكنة جديدة».

وسنتوقف حول علاقة الغجري وفلسفته «بالمكان والحرية والملكية الخاصة» فعلى خلاف البدوي تماما لا يهتم الغجري بثروته ولا يسعى لتنميتها وليست هي مصدر رزقه ونمط حياته، لهذا وقع في تلك الإشكالية التاريخية العديد من الدارسين، بل وصهروا الغجر على أساس الاختلاط المؤقت مع أقليات أخرى منبوذة في كل مجتمع وكانت ملاذا مؤقتا لهم حتى لحظة رحيلهم لأرض الله الواسعة. كما أن الغجر تاريخيا لم يسموا أنفسهم بتلك التسميات المتنوعة وإنما وصفهم الآخرون عند مشاهداتهم لهم، فيما راح الغجر يوظفون تلك التسميات الجديدة في مناطق أخرى يدخلونها لتغطية حقيقتهم الإثنية خوفا من الاضطهاد المجتمعي لكونهم منبوذين من تلك البيئات.

الفراغ الزمني ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف