• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

حاجز على كل خط تماس (3 - 3)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 05 أكتوبر 2015

في قطاع غزة، بنت إسرائيل خلال منتصف التسعينات من القرن الماضي حاجزين معدنيين طويلين في محيط القطاع، الأول يفصل بين القطاع وإسرائيل، والثاني بين القطاع ومصر. وبين عامي 1994 و1996 أنشأت الحكومة الإسرائيلية سياجاً عازلاً بين القطاع، وإسرائيل يبلغ طوله 51 كلم، وقد شُيد هذا السياج في أغلبه من أسلاك شائكة وصفائح معدنية. ومع بداية انتفاضة الأقصى في عام 2000، قام النشطاء الفلسطينيون بتفكيك معظم أجزاء هذا السياج، والذي أعيد بناؤه من جديد من قبل الجيش الإسرائيلي بين ديسمبر 2000 ويونيو 2001، وتجهيزه بمراكز مراقبة عالية التقنية التي تُمَكِّن الجنودَ الإسرائيليين من مراقبة ستة كيلومترات على مدار الساعة. من جهة أخرى، ولتكريس واقع العزل والحصار الذي يعيشه قطاع غزة عن محيطه الجغرافي، قامت إسرائيل بتشييد سياج على طول حدود القطاع مع مصر خلال عامي 2004 و2005. يمتد هذا السياج على طول 11 كلم، ويتراوح علوه ما بين سبعة وتسعة أمتار، ويحتوي على فتحات عدة تسمح للجيش الإسرائيلي بالحركة في ظروف خاصة. وبهدف الكشف عن الأنفاق التي يستعملها الفلسطينيون لتهريب الطعام والأسلحة وكل ما يحتاجونه من مصر بعد ما فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً على القطاع، قام الجيش الإسرائيلي بتجهيز السياج بأنظمة متطورة من قبيل أجهزة الاستشعار المختلفة والأنظمة التي بمقدورها اكتشاف الأنفاق والحَفر العميق وزرع المواد المتفجرة في الأرض.

لم يستطع بناء السياجات على طول محيط غزة من وقف هجمات حركات المقاومة الفلسطينية التي باتت تعتمد على وسائل جديدة في مواجهة إسرائيل، من ضمنها صواريخ أرض - أرض متطورة، وصواريخ يمكن أن تصل إلى عمق المدن الإسرائيلية، بما في ذلك تل أبيب كما حدث لأول مرة خلال رد المقاومة على حرب إسرائيل على غزة في 2012، حيث جعلت الملايين من الإسرائيليين يعيشون تحت التهديد اليومي للهجمات الصاروخية. في الواقع، لا تهدف السياجات العازلة في غزة فقط إلى وقف هجمات المقاومة الفلسطينية، ولكن أيضاً لخلق وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية. فعندما وجدت إسرائيل أن الاحتلال المباشر لغزة مكلف جداً، قررت الانسحاب من القطاع والاستمرار في ممارسة مراقبة شاملة عليه من الخارج بمختلف الوسائل، من ضمنها تسييج محيط القطاع بمختلف أنواع الحواجز التي أدت في نهاية المطاف إلى تحويل غزة إلى سجن كبير.

إضافة إلى السياجات والأسوار العازلة التي شيدتها إسرائيل في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، فقد بنت أيضاً سياجات على طول حدودها بحكم الأمر الواقع مع كل الدول العربية المجاورة لفلسطين (مصر ولبنان وسوريا والأردن)، الأمر الذي يعكس سعي إسرائيل الدائم لفرض واقع الاحتلال.

من الواضح مما سبق أن التسييج والعسكرة المكثفة لحدود تماس إسرائيل، وإنشاء مناطق أمنية عازلة مع الشعوب العربية، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو مصر أو لبنان أو سوريا أو الأردن، تهدف إلى إدامة واقع الاحتلال أو على الأقل مراقبة «الجهة الأخرى» لضمان أمن الدولة العبرية وحماية «الخاصية اليهودية» لإسرائيل باعتبارهما الهدفين الأساسيين المعلنين لهذه الحواجز العازلة. علاوة على ذلك، هناك أهداف أخرى غير معلنة لهذه السياسية الإسرائيلية، والتي تتمثل في التطهير العرقي للفلسطينيين من ديارهم، وضم مزيد من الأراضي الفلسطينية، وترسيم أحادي لحدود الدول الفلسطينية المحتملة، وإضعاف إمكانية إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة في الضفة اوالقطاع من خلال إعاقة اتصال أراضيها وقطع أوصالها، وفرض خطوط تماسها مع الدول العربية باعتبارها حدوداً دولية بحكم الأمر الواقع. على الرغم من الجهود الكبيرة والأموال الضخمة التي أنفقتها إسرائيل على بناء الحواجز العازلة، فإنها لم تحقق أهدافها المعلنة، والمتمثلة في ضمان أمن إسرائيل التي لا تزال تعيش في منطقة كل سكانها سواء في فلسطين أو في بقية الدول المجاورة يرفضون وجودها، ويظهرون دائماً عدم رغبتهم في التعايش والتطبيع مع الدولة العبرية. في الواقع، فإن سياجات حواجز العزل لا تحاصر فقط الفلسطينيين وتشتتهم من ديارهم، بل تجعل إسرائيل ذاتها في قفص طوعي من صنعها.

د. سعيد الصديقي

أستاذ القانون الدولي بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا بأبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا